لعلهم يتذكَّرون كلَّ ذلك أنهم ما ازدَادُوا بكلِّ ما عَقَلوه وفَهِموه وشَغَلوا حياتَهم به من غيرِ القرآن وسنَّةِ الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلا توغُّلاً في الضلالِ والفسادِ، وما ازدادت قلوبُهم به إلا قسوةً، وما ازدَادُوا به في حياتِهم إلا بُعْدًا عن الحقِّ والهُدَى، ولا في عيشِهم إلا ضنكًا وشقاءً، إنهم إن تذكَّروا ذلك وتنبَّهوا من غفلاتِهم العميقةِ، واستَيقَظُوا من نومِهم الطويل - وَجَدوا القرآنَ سهلاً يسيرَ الفَهْمِ، قطوفُه دانيةٌ لكلِّ مَن أرادها وأَخَذ لها أسبابَها، وعندئذٍ يَجِدُون الشفاء والرحمة، ويَجِدُون أن ذلك خيرٌ من كل ما كانوا يَجمَعُون في حياتِهم الغافلة، وتقليدهم الجاهلي.
فالكلمة الطيبة: كلمةُ الحقِّ، واللهُ هو الحقُّ، يقول الحقَّ، وهو يَهدِي السبيلَ إلى الحقِّ، ووعدُه الحقُّ، وكتابُه الحقُّ، ورسولُه الحقُّ، وما خَلَق السمواتِ والأرضَ وما بينهما إلا بالحقِّ.
وفي صحيح البخاري وغيره، عن ابن عباس - رضي الله عنهما:"كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قام من الليلِ يتهجَّد، قال: (( اللهم لك الحمدُ، أنت نورُ السمواتِ والأرضِ ومَن فيهنَّ، ولك الحمدُ أنت قيُّوم السمواتِ والأرضِ ومَن فيهنَّ، ولك الحمدُ أنت الحقُّ، وقولُك الحقُّ، ولقاؤك حقٌّ، والجنَّةُ حقٌّ، والنارُ حقٌّ، والساعةُ حقٌّ، والنبيُّون حقٌّ، ومحمدٌ - صلى الله عليه وسلم - حقٌّ، اللهم لك أَسلَمتُ، وعليك توكَّلتُ، وبك آمنتُ، وإليك أَنَبتُ، وبك خَاصَمتُ، وإليك حَاكَمت؛ فَاغفِر لي ما قدَّمت وما أخَّرت، وما أَسرَرت وما أَعلَنت، أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر، لا إله إلا أنت ) )."
والله - سبحانه - طَيِّبٌ، ولا يُحِبُّ من الناس إلا الطيِّبين، ولا يَرضَى ولا يَقبَل إلا القول الطيِّب، والعملَ الطيِّب، والخُلُق الطيِّب، والعقيدةَ الطيِّبة، وجعَل الحياةَ الطيبةَ في الدنيا والآخرة للطيِّبين: الظاهرُ أن الآيةَ المرادَ الاستشهادُ بها هي قوله - تعالى: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32] .