لعلَّهم يتذكَّرون ما أنساهم شياطينُ الجنِّ والإنسِ، ما غَمَرهم الله به في إحسانِه وإكرامِه، وفضله وتفضيله، فيُوقِظُون هذه الإنسانيةَ الغافلةَ، ويُشعِرُونها بوجودِها وحياتِها ويوجِّهونها إلى القيامِ بعملِها التي هُيِّئَت وأُعدَّت له، وخُلِقت من أجلِه.
لعلهم يتذكَّرون ما أنساهم أعداءُ اللهِ ورسلِه وكتبِه وأعداؤهم من أن هذا القرآنَ أَنزَلَه العليمُ الحكيمُ تبيانًا لكلِّ شيءٍ، وهاديًا للتي هي أَقومُ، وأن العليمَ الحكيمَ الذي خَاطَبهم به وأقَامَه حجةً عليهم، وحَفِظه لذلك، محالٌ أن يخاطبَهم بما لا يَفهَمُون، ومحالٌ على رحمتِه وحكمتِه أن يُقِيمَ حجَّةً بما لا يَقدِرُون على معرفةِ القصدِ والغايةِ منه؛ لأنه خَلَقهم مسلوبي العقولِ والأفهامِ، أو سَلَبهم ذلك بعد أن خَلَقهم وخَلَق فيهم هذه الإنسانيةَ العاقلةَ الفاهمةَ المستبصرة.
لعلهم يتذكَّرون أن هذا القرآن العربي المُبِين - الذي لم يَدَعْ سبيلاً من الوضوحِ إلا أخذ به - أيسرُ وأقربُ إلى عقولِهم وأفهامِهم مما يَبْرُزُون في عقلِه وفهمِه من الفنونِ والصنائع والمشاحنات والمُخَاصَمات والمَكْر والحِيَل، وآراءِ الشيوخ وحُثَالات الأفكار، وأقربُ وأيسرُ مما يكون في أفهامِهم وعقولِهم من النظريات الهندسية، والرياضية، والفلسفية، وغيرها من كلِّ ما أتقنوه وبَرَزُوا في فهمِه، ثم يَزعُمُون أنهم عاجزون جميعًا عن فهمِ القرآن، بل إنه محالٌ عليهم؛ لأنه أُغلِقت دونه الأبوابُ، ومَن حَاوَل ذلك فقد كَفَر وخَرَج عن المألوفِ والمعروف من دين الشيوخ والآباءِ، والسادة والرؤساء.