ثم قال: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي} [يوسف: 108] أي: رؤية الأمور من الله لا من الأسباب، وأيضاً: {قُلْ} يا محمد هذه الدعوة إلى الله فضلاً عن سبيله، {سَبِيلِي} وسنتي من بين سائر الأنبياء والرسل، {أَدْعُو إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 108] لا إلى سواه، {عَلَى بَصِيرَةٍ} [يوسف: 108] أي: على معرفة بالسلوك المسلوك إليه، {أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108] أي: هذه الدعوة مخصوصة لي ولمن اتبعني من أمتي مستسلماً لي عند تسليك الوصول، {وَسُبْحَانَ اللَّهِ} [يوسف: 108] أي: تنزيهاً لله على شركة الأسباب، {وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108] في الطلب والمخلصين إلى الأسباب.
وقوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى} [يوسف: 109] إشارة إلى أن الرسالة لا يستحقها إلا الرجال البالغون المستعدون للوحي من أهل القرى بالملكوت والأرواح، لا من أهل المدائن في ملك الأجساد، ولهذا قبل الرجال من القرى، {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ} [يوسف: 109] أهل مدائن الأجساد المطمئنون إلى الدنيا، {فِي الْأَرْضِ} [يوسف: 109] في أرض البشرية على قدمي الشريعة والطريقة؛ ليخرجوا من ظلمة الدنيا إلى نور الآخرة، {فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} [يوسف: 109] إذ رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها وليشاهدوا حقيقة قوله: {وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلاَ تَعْقِلُون} [يوسف: 109] لتعرضوا عن الزكاة إلى الدنيا الدنية، وتقبلوا على الآخرة الشريعة في طلب والحقيقة.