فمعنى ضاق بهم ذرعا: ضاق صبره وعظم المكروه عليه، وقال أبو إسحاق يقال: ضاق زيد بأمره ذرعًا: إذا لم يجد من المكروه في ذلك الأمر مخلصًا، ولم أر أحدًا ذكر في أصل الذرع أحسن مما ذكره الأزهري، وغيره يقول: ضاق ذرعًا أي: ضاق بهم صدرًا، وليس يعرف أصله، وذكر ابن الأنباري قولين: أحدهما: أصله (من ذرع فلان القيء) إذا غلبه وسبقه، ومعنى ضاق ذرعه: ضاق حبس المكروه في نفسه، وهذا ليس بظاهر، والقول الثاني: أن الذرع كناية عن الوسع؛ لأن الذراع من اليد، والعرب تقول ليس هذا في يدي يعنون ليس في وسعي، وهذا قريب مما قاله الأزهري، ولكن لم يبين بيانه.
وقال الفراء: الأصل فيه (وضاق ذرعٌ بهم) ، فنقل الفعل عن الذرع إلى ضمير لوط، ونصب الذرع بتحول الفعل عنه، كما قال {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} [مريم: 4] . وقد ذكرنا نظير هذا في قوله: {سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة: 130] .
وقوله تعالى: {وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} . قال المفسرون وجميع أهل المعاني: يوم شديد، قال أبو بكر: قال الكسائي: العصيب: الشديد يقال منه عصب اليوم يعصب عصابة.
وقال الفراء والزجاج وأبو عبيدة: العصيب الشديد، وأنشد
أبو عبيدة قول هانئ العنبري:
يوم عصيب يعصب الأبطالا
عصبَ القوي السُّلَّم الطوالا
قال أبو عبيدة: وإنما قيل له عصيب؛ لأنه يعصب الناس بالشر، وأنشد لعدي بن زيد:
وكنتُ لِزازَ خصمِك لم أعرِّدْ ... وقد سلكوك في يوم عصيب
78 -وقوله تعالى: {وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ} الآية. قال المفسرون: لما أضافهم لوط مضت امرأته عجوز السوء، فقالت لقومه: إنه استضاف لوطًا قوم لم أر أحسن وجوهًا ولا أنظف ثيابًا ولا أطيب رائحة منهم، فجاءه قومه ليراودوه عن ضيفه؛ فذلك قوله: {وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ} . قال عامة المفسرين وأهل المعاني: يهرعون: يسرعون، قال الكسائي وأبو زيد: أهرع الرجل إهراعًا إذا أسرع في رعدة.