{وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ} أي لا يتخلفْ أو لا ينظُرْ إلى ورائه {أَحَدٌ} منك ومن أهلك ، وإنما نُهوا عن ذلك ليجدّوا في السير فإن من يلتفتُ إلى ما وراءه لا يخلو عن أدنى وقفةٍ أو لئلا ترَوا ما ينزل من العذاب فترِقّوا لهم {إِلاَّ أمرأتك} استثناءٌ من قوله تعالى: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ} ويؤيده أنه قرئ فأسرِ بأهلك بِقطْع من الليل إلا أمرأتَك ، وقرئ بالرفع على البدل من أحدٌ ، فالالتفاتُ بمعنى التخلف ، لا بمعنى النظر إلى الخَلف كيلا يلزمَ التناقضُ بين القراءتين المتواترتين فإن النصبَ يقتضي كونَه عليه السلام غيرَ مأمورٍ بالإسراء بها ، والرفعَ كونَه مأموراً بذلك ، والاعتذارُ بأن مقتضى الرفعِ إنما هو مجردُ كونِها معهم وذلك لا يستدعي الأمرَ بالإسراء بها حتى يلزمَ المناقضةَ لجواز أن تسريَ هي بنفسها كما يُرى أنه عليه السلام لما أَسْرى بأهله تبِعَتْهم فلما سمعت هدّة العذابِ التفتت وقالت: يا قوماه فأدركها حجرٌ فقتلها وأن يسرِيَ بها عليه السلام من غير أمرٍ بذلك إذ موجبُ النصبِ إنما هو عدمُ الأمر بالإسراء بها لا النهيُ عن الإسراء بها حتى يكونَ عليه السلام بالإسراء بها مخالفاً للنهي لا يجدي نفعاً لأن انصرافَ الاستثناءِ إلى الالتفات يستدعي بقاءَ الأهل على العموم فيكون الإسراءُ بها مأموراً به قطعاً ، وفي حمل الأهليةِ في إحدى القراءتين على الأهلية الدينية وفي الأخرى على النسَبية مع أن فيه ما لا يخفى من التحكم والاعتساف كرٌّ على ما فُرّ منه من المناقضة ، فالأَولى حينئذ جعلُ الاستثناءِ على القراءتين من قوله: {لا يَلْتَفِتْ} مثلَ الذي في قوله تعالى: {مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ} فإن ابنَ عامر قرأه بالنصب وإن كان الأفصحَ الرفعُ على البدل ، ولا بُعد في كون أكثرِ القراءِ على غير الأفصح ولا يلزم من ذلك أمرُها بالالتفات بل عدمُ نهيِها عنه بطريق الاستصلاح ولذلك علله على طريقة