ولقد تميزت الدراسات الأدبية الحديثة عامة , والأسلوبية بشكل خاص باهتمامها بالجانب الصوتي وصولاً إلى (المعنى الصوتي) ؛ لما لقيه علم الأصوات من عناية ودراسة في ضوء علم اللغة الحديث , فتهتم الدراسات الأسلوبية بالمستوى الصوتي في شتى مناحي نسيج العمل الأدبي ومكوناته من أصوات وإيقاعات خارجية وداخلية وتنغيم ونبر؛ لما تحدثه من أثر على المتلقي للنص الأدبي , فإذا سيطر النغم على السامع وجدنا له انفعالاً حزنًا حينًا أو بهجة وحماسة حينًا آخر.
تأمل لفظة (متشاكسون) في قوله تعالى: (( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ ) )تجد أنها تعبر عن لغة المخاصمة والعناد والجدل في أخذ ورَدٍّ لا يستقران، وقد تعطي معناها الكلمة: (متخاصمون) ، ولكن النظم القرآني لم يستعملها حفاظاً على الدلالة الصوتية التي أعطت معنى النزاع المستمر، والجدل القائم، وقد جُمعت في هذه الكلمة حروف التفشي والصفير في الشين والسين تعاقباً، تتخللهما الكاف من وسط الحلق، والواو والنون للمد والترنم، والتأثر بالحالة، فأعطت هذه الحروف مجتمعة نغماً موسيقياً خاصاً حمّلها أكثر من معنى الخصومة والجدل والنقاش بما أكسبها أزيزاً في الأذن، يبلغ به السامع أن الخصام ذو خصوصية بلغت درجة الفورة، والعنف والفزع من جهة، كما أحيط السمع بجرس مهموس معين ذي نبرات تؤثر في الحس والوجدان من جهة أخرى.
والتعبير عن سقوط الغاوين على وجوههم في النار في قوله تعالى: (( فكبكبوا فيها هم والغاوون ) )حيث لم يقل: فكبوا؛ ليشير اللفظ بجرسه الشديد إلى أنهم يكبون كباً عنيفاً غليظاً , إذ الكبكبة تدهور الشيء في هوّة , وهذه الشدة من التقاء صوتي الكاف والباء الانفجاريين فضلاً عن تكرار المقطع الصوتي (كب) الدال على هذا الدفع والتدهور إذ أن زيادة المبنى زيادة في المعنى , كما يدل أيضاً على الحركة المضطربة وهم يُدفعون وكأن بعضهم يدخل في بعض.