وقد فشا الرياء في هذه الآية فشواً كثيراً حتى لا تكاد ترى مخلصاً لله لا في قول ، ولا في فعل ، فهؤلاء من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة.
وقرأ الجمهور: نوفّ بنون العظمة ، وطلحة بن ميمون: يوف بالياء على الغيبة.
وقرأ زيد بن علي: يوف بالياء مخففاً مضارع أوفى.
وقرئ توف بالتاء مبنياً للمفعول ، وأعمالهم بالرفع ، وهو على هذه القراآت مجزوم جواب الشرط ، كما انجزم في قوله: {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه} وحكي عن الفراء أنّ كان زائدة ، ولهذا جزم الجواب.
ولعله لا يصح ، إذ لو كانت زائدة لكان فعل الشرط يريد ، وكأن يكون مجزوماً ، وهذا التركيب من مجيء فعل الشرط ماضياً والجواب مضارعاً ليس مخصوصاً بكان ، بل هو جائز في غيرها.
كما روي في بيت زهير:
ومن أهاب أسباب المنايا ينلنه ...
ولو رام أن يرقى السماء بسلم
وقرأ الحسن: نوفي بالتخفيف وإثبات الياء ، فاحتمل أن يكون مجزوماً بحذف الحركة المقدرة على لغة من قال: ألم يأتيك وهي لغة لبعض العرب ، واحتمل أن يكون مرفوعاً كما ارتفع في قول الشاعر:
وإن شل ريعان الجميع مخافة ...
يقول جهاراً ويلكم لا تنفروا
والحصر في كينونة النار لهم ظاهر في أنّ الآية في الكفار ، فإنْ اندرج أهل الرياء فيها فيكون المعنى في حقهم: ليس يجب لهم ولا يحق لهم إلا النار كقوله: {فجزاؤه جهنم} وجائز أن يتغمدهم الله برحمته وهو ظاهر قول ابن عباس وابن جبير.
والضمير في قوله: ما صنعوا فيها ، الظاهر أنه عائد على الآخرة ، والمحرور متعلق بحبط ، والمعنى: وظهر حبوط ما صنعوا في الآخرة.
ويجوز أن تتعلق بقوله: صنعوا ، فيكون عائداً على الحياة الدنيا ، كما عاد عليها في فيها قبل.
وما في فيما صنعوا بمعنى الذي.
أو مصدرية ، وباطل وما بعده توكيد لقوله: وحبط ما صنعوا ، وباطل خبر مقدم إن كان من عطف الجمل ، وما كانوا هو المبتدأ ، وإن كان خبراً بعد خبرٍ ارتفع ما بباطل على الفاعلية.