(فإن قلت) قد وعد الله أن ينجيَ أهله ، وما كان عنده أنّ ابنه ليس منهم ديناً ، فلما أشفي على الغرق تشابه عليه الأمر ، لأنّ العدة قد سبقت له ، وقد عرف الله حكيماً لا يجوز عليه فعل القبيح وخلف الميعاد ، فطلب إماطة الشبهة وطلب إماطة الشبهة واجب ، فلم زجر وجعل سؤاله جهلاً؟ (قلت) : إن الله عز وجل قدم له الوعد بإنجاء أهله مع استثناء من سبق عليه القول منهم ، فكان عليه أن يعتقد أن في جملة أهله من هو مستوجب العذاب لكونه غير صالح ، وأن كلهم ليسوا بناجين ، وأنْ لا تخالجه شبهة حين شارف ولده الغرق في أنه من المستثنين لا من المستثنى منهم ، فعوتب على أن اشتبه عليه ما يجب بما يجب أن لا يشتبه.
وقال ابن عطية: معنى قوله: فلا تسألن ما ليس لك به علم ، أي إذ وعدتك فاعلم يقيناً أنه لا خلف في الوعد ، فإذا رأيت ولدك لم يحمل فكان الواجب عليك أن تقف وتعلم أنّ ذلك لحق واجب عند الله ، ولكنّ نوحاً عليه السلام حملته شفقة البنوة وسجية البشر على التعرض لنفحات الرحمة والتذكير ، وعلى هذا القدر وقع عقابه ، ولذلك جاء بتلطف وترج في قوله: إني أعظك أن تكون من الجاهلين.
ويحتمل قوله: فلا تسألن ما ليس لك به علم ، أي: لا تطلب مني أمراً لا تعلم المصلحة فيه علم يقين ، ونحا إلى هذا أبو علي الفارسي وقال: إن به يجوز أن يتعلق بلفظ عام كما قال الشاعر:
كأن جزائي بالعصا أن أجلدا ...
ويجوز أن يكون به بمنزلة فيه ، فتتعلق الباء بالمستقر.
واختلاف هذين الوجهين إنما هو لفظي ، والمعنى في الآية واحدة.
وذكر الطبري عن ابن زيد تأويلاً في قوله: إني أعظك أن تكون من الجاهلين لا يناسب النبوة تركناه ، ويوقف عليه في تفسير ابن عطية.
وقيل: سأل نوح ربه حين صار عنه ابنه بمعزل ، وقيل: قبل أن عرف هلاكه ، وقيل: بعد أن عرف هلاكه سأل الله له المغفرة.