أنْ أسألك من أن أطلب في المستقبل ما لا علم لي بصحته تأديباً بأدبك ، واتعاظاً بموعظتك ، وهذه إنابة من نوح عليه السلام وتسليم لأمر الله.
قال ابن عطية: والسؤال الذي وقع النهي عنه والاستعاذة والاستغفار منه هو سؤال العزم الذي معه محاجة ، وطلبه ملحة فيما قد حجب وجه الحكمة فيه.
وأما السؤال في الأمور على جهة التعلم والاسترشاد فغير داخل في هذا ، وظاهر قوله: فلا تسألن ما ليس لك به علم ، يعم النحوين من السؤال ، ولذلك نبهت على أنّ المراد أحدهما دون الآخر ، والخاسرون هم المغبونون حظوظهم من الخير انتهى ، ونسب نوح النقص والذنب إلى نفسه تأدباً مع ربه فقال: وإلا تغفر لي ، أي ما فرط من سؤالي وترحمني بفضلك ، وهذا كما قال آدم عليه السلام.
{قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ}
بني الفعل للمفعول ، فقيل: القائل هو الله تعالى ، وقيل: الملائكة تبليغاً عن الله تعالى.
والظاهر الأول لقوله: منا.
وسنمتعهم أمر عند نزوله بالهبوط من السفينة ومن الجبل مع أصحابه للانتشار في الأرض ، والباء للحال أي: مصحوباً بسلامة وأمن وبركات ، وهي الخيرات النامية في كل الجهات.
ويجوز أن تكون اللام بمعنى التسليم أي: اهبط مسلماً عليك مكرماً.
وقرئ اهبط بضم الباء ، وحكى عبد العزيز بن يحيى وبركة على التوحيد عن الكسائي وبشر بالسلامة إيذاناً له بمغفرة ربه له ورحمته إياه ، وبإقامته في الأرض آمناً من الآفات الدنيوية ، إذ كانت الأرض قد خلت مما ينتفع به من النبات والحيوان ، فكان ذلك تبشيراً له بعود الأرض إلى أحسن حالها ، ولذلك قال: وبركات عليك أي دائمة باقية عليك.
والظاهر أنّ من لابتداء الغاية أي: ناشئة من الذين معك ، وهم الأمم المؤمنون إلى آخر الدهر.
قال الزمخشري: ويحتمل أن تكون من للبيان فتراد الأمم الذين كانوا معه في السفينة لأنهم كانوا جماعات.
وقيل لهم: أمم ، لأنّ الأمم تشعبت منهم انتهى.