{أولئك} المنعوتون بما ذكر من القبائح {الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم} باشتراء عبادةِ الآلهةِ بعبادة الله عز سلطانُه {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} من الآلهة وشفاعتِها أو خسِروا ما بذلوا وضاع عنهم ما حصَلوا فلم يبقَ معهم سوى الحسرةِ والندامة {لاَ جَرَمَ} فيه ثلاثةُ أوجةٍ: (الأولُ) أن لا نافيةٌ لما سبق وجَرَم فعلٌ بمعنى حقَّ وأن مع ما في حيزه فاعلُه والمعنى لا ينفعهم ذلك الفعلُ حقَّ {أَنَّهُمْ فِى الآخرة هُمُ الأخسرون} وهذا مذهبُ سيبويه، (والثاني) جرَمَ بمعنى كسب وما بعده مفعولُه، وفاعلُه ما دل عليه الكلامُ أي كسب ذلك خُسرانَهم فالمعنى ما حصل من ذلك إلا ظهورُ خُسرانِهم (والثالثُ) أن لا جرم بمعنى لا بد أنهم في الآخرة هم الأخسرون، وأياً ما كان فمعناه أنهم أخسرُ من كل خاسر فتبين أنهم أظلمُ من كل ظالم، وهذه الآياتُ الكريمة كما ترى مقرِّرةٌ لما سبق من إنكار المماثلةِ بين مَنْ كان على بينة من ربه وبين مَنْ كان يريد الحياةَ الدنيا أبلغَ تقريرٍ فإنهم حيث كانوا أظلمَ من كل ظالمٍ وأخسَر من كل خاسرٍ لم يُتصوَّرْ مماثلةٌ بينهم وبين أحدٍ من الظَّلَمةِ الأخسرين فما ظنُّك بالمماثلة بينهم وبين مَنْ هو في أعلى مدارجِ الكمالِ. انتهى انتهى. {تفسير أبي السعود حـ 4 صـ}