لكن لا يخفى أن هذه الاستقامة - وإن كانت كرامة عظيمة في نفسها - فليست كتلك الاستقامة.
وروى السهروردي في"عوارفه"عن عبد الرحمن بن زيد: أن عيسى ابن مريم عليهما السلام قال: ربّ! أنبئني عن هذه الأمة المرحومة.
قال: أمة محمَّد - صلى الله عليه وسلم - هم علماء أخفياء، حكماء كأنهم أنبياء، يرضون مني بالقليل من العطاء، فأرضى منهم باليسير من العمل، وأدخلهم الجنة
بلا إله إلا الله.
يا عيسى! هم أكثر سكان الجنة لأنها لم تَذِلَّ ألسن قوم قط بلا إله إلا الله كما ذَلت ألسنتهم، ولم تَذِلَ رقاب قوم قط بالسجود كما ذَلَّت رقابهم.
وهذه صفة أهل الخصوص من هذه الأمة، وأما عوامهم ففي ظلهم، ولذلك كانت أمة مرحومة؛ يرحم الله مسيئهم بمحسنهم، فأهل الخصوص هم المستقيمون على كلمة التوحيد وإقامة الصلاة، وسائر الأعمال متابعة لهذين العملين الكريمين لأن الله تعالى يقول: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [سورة العنكبوت: 45] .
ويقول: {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [سورة العنكبوت: 45] .
وقال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [سورة فصلت: 30: الاستقامة أن لا تشركوا بالله شيئًا.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في الآية: استقاموا بطاعته. رواه الإِمام عبد الله بن المبارك، وسعيد بن منصور، وعبد بن
حميد، والحكيم الترمذي، وابن المنذر.
ويدخل في كلامهما الاستقامة على الإخلاص، والتنزه عن الرياء، ولا يتم مقام الاستقامة عليه إلا بذلك.
وروى الأصبهاني في"الترغيب"عن يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله تعالى: أنه سئل عن هذه الآية: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [سورة فصلت: 30] ، فقال: استقاموا عليه فعلًا كما أقروا به قولًا.
قال يحيى: كونوا عباد الله بأفعالكم كما زعمتم أنكم عبيد الله بأقوالكم.
وهذا التفسير في غاية الحسن.