بأن تكون استقامتكم على خلاف ما أمرتم، وهو موافق لبطر النعمة والظلم المفسر بهما الطغيان في الآية: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} [سورة هود: 113] بأن تودوهم، أو توالوهم، أو تطيعوهم ليكونوا أولياءكم وأنصاركم، فتنعكس آمالكم فيهم؛ {فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ} [سورة هود: 113] لا هم ولا غيرهم، {ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [سورة هود: 113] آخرًا، بخلاف ما لو أعرضتم عنهم وعن الاعتماد على غير الله تعالى، واكتفيتم به، وأقبلتم على طاعته، واستقمتم كما أمرتم؛ فإن الله يتولاكم، ويأمر الملائكة بتوليكم كما قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [سورة فصلت: 30، 31] .
فأهل الاستقامة يتولاهم الله، ويولي الملائكة توليهم بالحفظ والمعونة والإلمام بالخير، وفي الآخرة بالسلام، وبالبشارة والمودة، والهيبة وغير ذلك.
وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [سورة فصلت: 30] ؛ قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: على شهادة لا إله إلا الله. رواه البيهقي في"الأسماء والصفات".
وروى الترمذي، والنسائي، وآخرون عن ابن عباس رضي الله
تعالى عنهما: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [سورة فصلت: 30] قال:"قَدْ قالَها النَّاسُ ثُمَّ كَفَرَ أكثَرُهُمْ؛ فَمَنْ ماتَ عَلَيْها فَهُوَ مِمَّنِ اسْتَقامَ".
وفي رواية:"فَمَنْ قالَها حَتَّى يَمُوتَ فَهُوَ مِمَّنِ اسْتَقامَ عَلَيها".
وهذه الرواية تدل على أن الاستقامة الاستقرار على كلمة التوحيد إلى الممات.
والأول يدل على أن الاستقامة القيام بها عند الموت، ويدل عليه حديث معاذ رضي الله تعالى عنه:"مَنْ كانَ آخِرَ كَلامِهِ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ".