وهذا القول أنكره الجمهور على قائله.
وقال النووي في"شرح مسلم": إنه غلط منهم، وإنكار للحس.
وكان أبو عبد الله الأصبهاني شارح"المحصول"ممن يعتقد كرامات الأولياء، فقال له بعض طلبته: يا سيدي! أيصح أن في هذه الأمة من يمشي على الماء ويطير في الهواء؟
فقال: يا بني! هذه الأمة كرمها الله بنبيها - صلى الله عليه وسلم - فانفِ عن أوليائها مقام النبوة والرسالة، وأثبت ما شئت من الخوارق. نقله ابن السبكي.
وقد بسطنا القول في هذه المسألة في كتاب"منبر التوحيد".
واعلم أن الكرامة على قسمين:
الأول: كرامة بمعنى خرق العادة كالمشي على الماء، وفي الهواء، وطي الزمان والمكان، والتصرف في الكون بنفوذ الأمر والنهي.
وعن الشيخ عبد القادر الكيلاني رحمه الله تعالى أنه قال: بسم الله من العارف بمنزلة: كن من الله.
وقال الأعمش: قال أبو وائل رحمه الله تعالى: يا سليمان! نعم الرب ربنا؛ لو أطعناه ما عصانا.
وقال أبو الربيع السائح: أطع الله يطعك. رواهما أبو نعيم.
وفي ذلك إشارة إلى أن من شرط هذا القسم من الكرامة طاعة الله تعالى، فلو ظهر الخارق على يد فاسق لم تكن كرامة، بل هو استدراج أو سحر أو شعوذة، وبهذا يفرق بين هذه الثلاثة وبين الكرامة.
قال أبو يزيد البسطامي رضي الله تعالى عنه: لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرفع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي، وحفظ الحدود وأداء الشريعة. رواه القشيري، وأبو نعيم.
ثم هذه الكرامات قد يجدها أهل البداية في بداياتهم، ويفقدها أهل النهاية في نهاياتهم؛ فإن أصل ظهور الخارق على يد الولي إنما هو لتقوية يقينه وزيادة بصيرته، فيعلم الولي أن ما هو عليه من العقائد والوظائف صحيح مرضي، فيلازم عليه؛ فإن كان الولي في النهايات رسخ يقينه فلا يحتاج إلى مثبت لأن المركب العظيم لا يحتاج إلى مرساة.
وروى القشيري عن ابن سالم قال: كان رجل يقال له: عبد الرحمن ابن أحمد يصحبه سهل بن عبيد الله، فقال له يومًا: ربما أتوضأ للصلاة فيسيل الماء من يدي قضبان ذهب وفضة.
فقال سهل: أما علمت أن الصبيان إذا بكوا يعطون خشخاشة ليشغلوا بها؟