وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(56)
أي: تعلمون أنه هو أحيا الأحياء، وهو الأموات أيضًا وهو كقوله: (وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) فإذا عرفتم أنه هو يحيي الأحياء وهو يميت الأموات لا غير، فاعلموا أنه هو يبعثكم وإليه ترجعون؛ ألزمهم الحجة أولًا بالكائن، ثم أخبرهم عما يكون بالحجة التي ذكر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ(57)
وهو هذا القرآن قَالَ بَعْضُهُمْ: الموعظة: النهي كقوله: (يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا) ، قيل: ينهاكم أن تعودوا لمثله أبدا. وقال آخرون: الموعظة هي التي تدعوا إلى كل مرغوب وتزجر عن كل مرهوب وقَالَ بَعْضُهُمْ العظة هي التي تلين كل قلب قاس وتجلي كل قلب مظلم وفي القرآن جميع ما ذكرنا فيه النهي، وفيه الدعاء إلى كل مرغوب، والزجر عن كل مرهوب، وهو يلين القلوب القاسية ويجلي القلوب المظلمة إذا تأملوا فيه، ونظروا، وتفكروا تفكر المستشهد وطالب الحق.
وقيل: الموعظة هي التي تلين القلوب القاسية وتدمع العيون اليابسة، وتجلي الصدور المظلمة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ) : إن للدِّين آفات وداء تضر به وتتلفه كما لهذه الأبدان آفات وأمراض تعمل في إتلافها وإهلاكها، ثم جعلت لآفات الأبدان وأمراضها أدوية يشفى بها الأبدان المؤرقة المريضة؛ فعلى ذلك جعل هذا القرآن شفاء لهذا الدِّين ودواء يداوى به، فيذهب بآفات الدِّين وأمراضه؛ كما تعمل الأدوية في دفع آفات الأبدان وأمراضها؛ لذلك سماه موعظة وشفاء لما في الصدور، واللَّه أعلم.