وقول الحق سبحانه هنا: {إِي وربي} [يونس: 53] .
تعني: نعم وأقسم بربي إنه لحق . وأنت لا تُقسم على شيء إلا إذا كان السائل عنده شبهة إنكار ، وتأتي ب"إن"لمزيد من هذا التأكيد .
ومثال ذلك في قوله سبحانه:
{واضرب لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ القرية إِذْ جَآءَهَا المرسلون * إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ اثنين فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فقالوا إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ} [يس: 1314] .
وماذا كان رد من بُعث إليهم الثلاثة؟
{قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنَزلَ الرحمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ} [يس: 15] .
هكذا كان إنكار المكذبين للرسل الثلاثة شديداً . فقال لهم الرسل:
{رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} [يس: 16] .
فكان قولهم هذا مناسباً لإنكار الكافرين الشديد .
إذن: فالتأكيد في أسلوب المسئول إنما يأتي على مقدار الإنكار ، فإن لم يكن هناك إنكار ؛ فلا يحتاج الأمر إلى تأكيد .
أما إذا صادف الكلام إنكاراً قليلاً ، فالتأكيد يأتي مرة واحدة .
وإن صادف الكلام لجاجة في الإنكار جاء التأكيد مرتين .
أما إذا ما صادف الكلام تبجُّحاً في الإنكار فالتأكيد يأتي ثلاث مرات .
وقد علَّم الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم هنا أن يرد على استنبائهم بأن يقول لهم: {إِي وربي إِنَّهُ لَحَقٌّ} [يونس: 53] .
وهنا يقسم الرسول صلى الله عليه وسلم بالرب ؛ لأن الرب هو من كلَّفه ، ثم يؤكد {إِنَّهُ لَحَقٌّ} لأن سؤالهم تضمَّن الإنكار والاستهزاء .
وما دام قد قال: {إِي وربي إِنَّهُ لَحَقٌّ} فهم إن لم يؤمنوا فسوف يلقون العذاب ؛ لأنه ليس هناك مَنْجًى من الله تعالى ، ولن تُعْجِزوا الله هرباً ، ولن تعجزوه شفاعة من أحد ، ولن تعجزوه بيعاً ، ولن تعجزوه خُلَّة تتقدم لتشفع لكم .
ثم يأتي قوله سبحانه في نهاية الآية: