وأمر الله لرسوله بإجراء معين مع هذه الطائفة دليل على أنها كانت معينة بأشخاصها لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو ظاهر.
وقد روي أن الآيات نزلت في جماعة خاصة معينة فعلاً ، ممن تخلفوا عن رسول الله في غزوة تبوك ، ثم أحسوا وطأة الذنب ، فاعترفوا بذنوبهم ، ورجوا التوبة. فكان منهم التخلف وهو العمل السيء. وكان منهم الندم والتوبة وهو العمل الصالح.
قال أبو جعفر بن جرير الطبري: حُدثت عن الحسين بن الفرج ، قال: سمعت أبا معاذ قال: أخبرنا عبيد ابن سلمان قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً} . نزلت في أبي لبابة وأصحابه ، تخلفوا عن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك. فلما قفل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوته ، وكان قريباً من المدينة ، ندموا على تخلفهم عن رسول الله ، وقالوا: نكون في الظلال والأطعمة والنساء. ونبي الله في الجهاد واللأواء! والله لنوثقن أنفسنا بالسواري ، ثم لا نطلقها حتى يكون نبي الله - صلى الله عليه وسلم - يطلقنا ويعذرنا! وأوثقوا أنفسهم ، وبقي ثلاثة لم يوثقوا أنفسهم بالسواري. فقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوته ، فمر في المسجد ، وكان طريقه ، فأبصرهم! فسأل عنهم ، فقيل له: أبو لبابة وأصحابه ، تخلفوا عنك ، يا نبي الله ، فصنعوا بأنفسهم ما ترى ، وعاهدوا الله ألا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم! فقال نبي الله - صلى الله عليه وسلم - لا أطلقهم حتى أومر بإطلاقهم ، ولا أعذرهم حتى يعذرهم الله ، قد رغبوا بأنفسهم عن غزوة المسلمين! فأنزل الله: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم} إلى {عسى الله أن يتوب عليهم} و {عسى} من الله واجب.
.فأطلقهم نبي الله وعذرهم.