كأن للسوء دائرة تطبق عليهم فلا تفلتهم ؛ وتدور عليهم فلا تدعهم. وذلك من باب تجسيم المعنوي وتخييله ، الذي يعمق وقع المعنى ويحييه.
{والله سميع عليم} .
والسمع والعلم يتناسبان هنا مع جو التربص بالسوء من أعداء الجماعة المسلمة ، والنفاق الذي تحتويه جوانحهم ، وتخفيه ظواهرهم.. والله سميع لما يقولون عليم بما يظهرون وما يكتمون.
وهناك الفريق الآخر ممن خالطت قلوبهم بشاشة الإيمان:
{ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ، ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول. ألا إنها قربة لهم. سيدخلهم الله في رحمته. إن الله غفور رحيم} ..
فهو الإيمان بالله واليوم الآخر باعث الإنفاق عند هذا الفريق ، لا الخوف من الناس ، ولا الملق للغالبين ، ولا حساب الربح والخسارة في دنيا الناس!
وهذا الفريق المؤمن بالله واليوم الآخر يبتغي بما ينفق أن يكون قربى من الله ؛ ويتطلب صلوات الرسول.. أي دعواته.. الدالة على رضاه صلى الله عليه وسلم ، المقبولة عند الله ، وهو يدعو بها للمؤمنين بالله واليوم الآخر ، المنفقين ابتغاء القربى من الله ورضاه.
لذلك يبادر السياق فيقرر لهم أنها قربى مقبولة عند الله:
{ألا إنها قربة لهم} ..
ويبشرهم بحسن العاقبة وعداً من الله حقاً:
{سيدخلهم الله في رحمته} ..
ويجسم الرحمة كأنها دار يدخلونها فتحتويهم ؛ وذلك في مقابل تجسيم {دائرة السوء} على الفريق الآخر ، الذي يتخذ ما ينفق مغرماً ، ويتربص بالمؤمنين الدوائر.
{إن الله غفور رحيم} ..
يقبل التوبة ، ويتقبل النفقة ، ويغفر ما كان من ذنب ، ويرحم من يبتغون الرحمة..