وقد كان هؤلاء الذين بنوا مسجد الضرار منافقين شاكين في دينهم ، ولكنهم ازدادوا بهدم رسول الله صلى الله عليه وسلم نفاقاً وتصميماً على الكفر ، ومقتاً للإسلام ، لما أصابهم من الغيظ الشديد ، والغضب العظيم بهدمه ، ثم ذكر سبحانه ما يدلّ على استمرار هذه الريبة ودوامها ، وهو قوله: {إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} أي: لا يزال هذا إلا أن تتقطع قلوبهم قطعاً ، وتتفرّق أجزاء: إما بالموت أو بالسيف ، والمقصود أن هذه الريبة دائمة لهم ما داموا أحياء ، ويجوز أن يكون ذكر التقطع تصويراً لحال زوال الريبة.
وقيل معناه: إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندماً وأسفاً على تفريطهم.
وقرأ ابن عامر ، وحمزة ، وحفص ، ويعقوب ، وأبو جعفر ، بفتح حرف المضارعة.
وقرأ الجمهور بضمها.
وروي عن يعقوب أنه قرأ"تقطع"بالتخفيف ، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم: أي إلا أن تقطع يا محمد قلوبهم.
وقرأ أصحاب عبد الله بن مسعود:"ولو تقطعت قلوبهم".
وقرأ الحسن ، ويعقوب ، وأبو حاتم:"إلى أن تقطع"على الغاية.
أي لا يزالون كذلك إلى أن يموتوا.
وقد أخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل ، عن ابن عباس ، في قوله: {والذين اتخذوا مَسْجِدًا ضِرَارًا} قال: هم أناس من الأنصار ابتنوا مسجداً ، فقال لهم أبو عامر الراهب: ابنوا مسجدكم واستمدوا بما استطعتم من قوّة وسلاح ، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم ، فآتي بجند من الروم ، فأخرج محمداً وأصحابه ؛ فلما فرغوا من مسجدهم ، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا: قد فرغنا من بناء مسجدنا فيجب أن تصلي فيه ، وتدعو بالبركة ، فأنزل الله: {لا تقم فِيهِ أَبَدًا} .