(3) التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هُنَالِكَ ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ جَمِيعًا فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ ، وَفِي ذَلِكَ مِنْ مَقَاصِدِ الْإِسْلَامِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ مَا فِيهِ ، وَهُوَ التَّعَارُفُ وَالتَّآلُفُ وَالتَّعَاوُنُ وَجَمْعُ الْكَلِمَةِ ، وَلِذَلِكَ كَانَ تَكْثِيرُ الْمَسَاجِدِ وَتَفْرِيقُ الْجَمَاعَةِ مُنَافِيًا لِمَقَاصِدِ الْإِسْلَامِ ، وَمِنَ الْوَاجِبِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ بَلَدٍ أَنْ يُصَلُّوا فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ إِذَا تَيَسَّرَ ، فَإِنْ تَفَرَّقُوا عَمْدًا وَصَلَّوْا فِي عِدَّةِ مَسَاجِدَ - وَالْحَالَةُ هَذِهِ - كَانُوا خَاطِئِينَ ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ إِلَى أَنَّ الْجُمُعَةَ الصَّحِيحَةَ تَكُونُ حِينَئِذٍ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ الَّذِينَ سَبَقُوا بِالتَّجْمِيعِ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بِنَاءَ الْمَسَاجِدِ لَا يَكُونُ قُرْبَةً مَقْبُولَةً عِنْدَ اللهِ إِلَّا إِذَا كَانَ بِقَدْرِ حَاجَةِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُصَلِّينَ ، وَغَيْرَ سَبَبٍ لِتَفْرِيقِ جَمَاعَتِهِمْ ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ مَسَاجِدِ مِصْرَ الْقَرِيبِ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ - وَكَذَا أَمْثَالُهَا فِي الْأَمْصَارِ الْأُخْرَى - لَمْ تُبْنَ لِوَجْهِ اللهِ تَعَالَى ، بَلْ كَانَ الْبَاعِثُ عَلَى بِنَائِهَا الرِّيَاءَ ، وَاتِّبَاعَ الْأَهْوَاءِ ، مِنْ جَهَلَةِ الْأُمَرَاءِ وَالْأَغْنِيَاءِ .