ثم بين أي المسجدين أحق بالقيام فيه، فقال: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى} اللام تأكيد للقسم، كأنه قيل: والله لمسجد أسس، أي بنيت حدوده ورفعت من قواعده، هذا معنى التأسيس، والتقوى: خصلة من الطاعة يحذر بها العقوبة، ثعلب عن ابن الأعرابي: (التقاة والتقية والتقوى والاتقاء: كله واحد) ، والتقوى اسم، وموضع التاء واو وهي (فَعْلى) من وقيت مثل (شروى) من شريت وهذا بما قد تقدم الكلام فيه، قال ابن عباس: (أسس على التقوى: بني على الطاعة، وبناه المتقون الموحدون) ، وقوله تعالى: {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} (من) هاهنا: تدل على البداية؛ لأنها نقيضة (إلى) كقولك من كذا إلى كذا، قال زهير:
لمن الديار بقُنَّة الحِجْر ... أقوين من حِجَج ومن شَهْر
وقوله تعالى: {أَوَّلِ يَوْمٍ} معناه أول الأيام إذا ميزت يومًا يومًا، كما تقول: أعطيت كل رجل في الدار، أي كل الرجال إذا ميزوا رجلاً رجلاً
{أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} ، قال الزجاج: (أن) في موضع نصب، المعنى: أحق بأن تقوم فيه)، وهذا كما قلنا في قوله: {وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا} [التوبة: 97] فإن قيل لم قال: {أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} مع أنه لا يجوز قيامه في الآخر؟ قيل: للمظاهرة في الحجة بأنه لو كان من الحق الذي يجوز لكان هذا أحق.
واختلفوا في المسجد الذي أسس على التقوى فقال ابن عُمر، وزيد ابن ثابت، وأبو سعيد الخدري، وابن المسيب: هو مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة). وروي ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"هو مسجدي"رواه الخدري وأُبي بن كعب، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، وقال في رواية الوالبي والعوفي: هو مسجد قباء، وهو قول الحسن وابن زيد وعروة بن الزبير واختيار الزجاج.