أنتَ الحبِيبُ ولَكنِّي أعُوذُ بِكَ ... مِنْ أنْ أكُونَ حَبِيباً غَيْرَ مَحْبُوبِ
وشقاء المحبين أن يكون الحب من جانب واحد ، أما حين يكون الحب متبادلاً من الحانبين فهو قمة الإيعاد والإبعاد ، فحين تكون العداوة من جانبين فهي تأخذ قمة الإسعاد ، وكذلك حين تكون العداوة من جانبين فهي تأخذ قمة الإيعاد والإبعاد ، فحين تكون العداوة من جانب واحد ، تنتهي بسرعة ، لكن عندما تكون من الجانبين فإنها لا تنتهي بل تزداد اشتعالاً .
إذن: فحين يكون الحب متبادلاً تجد المحب كلما رأى حبّاً من حبيبه رد عليه بحب ، فينمو الحب ويزداد ، ولا يكون الأمر كذلك إلا إذا كان حب القلوب فيما لا يتغير وهو"الحب في الله"، فإذا رأيت حبّاً بين اثنين يتناقص بمرور الزمن ؛ فاعلم أنه حب لغير الله ، وإن رأيت الحب ينمو كل يوم ، فاعلم أنه حب في الله .
والحق سبحانه يقول في قصة فرعون وموسى: {فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ...} [القصص: 8]
هم لم يلتقطوه ليكون عدواً لهم ؛ فهذا الاحتمال لو كان قد جاء في بال آل فرعون لقتلوه ، ولكنهم التقطوه ليكون قرة عين لهم ، فانظر كيف يدخل الله على تغفيل الكافرين به ، فآل فرعون هم من يربون موسى ؛ ولذلك قال له فرعون: {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} [الشعراء: 18]
ولكن موسىعليه السلام لا يجامل في الحق ؛ لأن الحق سبحانه وتعالى هو من ربّاه ، أما تربية فرعون فلم يكن لها اعتبار في ميزان الحق ، وقد تكون العداوة هينة لو كانت من جانب موسى وحده ، ولكن شاء سبحانه ألا تكون العداوة من جانب موسى فقط ، بل من جانب فرعون أيضاً ، فيقول سبحانه: {يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ...} [طه: 39]
ويقول سبحانه في مجال الحب المتبادل: {فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ...} [المائدة: 54]