وأجاز أبو البقاء أن يكون مفعولاً ثانياً لاتخذوا ، وإرصاداً أي: إعداداً لأجل من حارب الله ورسوله وهو أبو عامر الراهب أعدوه له ليصلي فيه ، ويظهر على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، وكان قد تعبد في الجاهلية فسمي الراهب ، وسماه الرسول (صلى الله عليه وسلم) الفاسق ، وكان سيداً في قومه نظيراً وقريباً من عبد الله بن أبي بن سلول ، فلما جاء الله بالإسلام نافق ولم يزل مجاهراً بذلك ، وقال لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) بعد محاورة:"لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم"فلم يزل يقاتله وحزب على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الأحزاب ، فلما ردهم الله بغيظهم أقام بمكة مظهراً للعداوة ، فلما كان الفتح هرب إلى الطائف ، فلما أسلم أهل الطائف هرب إلى الشام يريد قيصر مستنصراً على الرسول ، فمات وحيداً طريداً غريباً بقنسرين ، وكان قد دعا بذلك على الكافرين وأمّن الرسول ، فكان كما دعا ، وفيه يقول كعب بن مالك:
معاذ الله من فعل خبيث ...
كسعيك في العشيرة عبد عمرو
وقلت بأن لي شرفاً وذكراً ...
فقد تابعت إيماناً بكفر
وقرأ الأعمش: وإرصاداً للذين حاربوا الله ورسوله ، والظاهر أنّ من قبل متعلقاً بحارب ، يريد في غزوة الأحزاب وغيرها ، أي: من قبل اتخاذ هذا المسجد.
وقال الزمخشري: (فإن قلت) : بم يتصل قوله تعالى: من قبل؟ (قلت) : باتخذوا أي: اتخذوا مسجداً من قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلف انتهى.
وليس بظاهر ، والخالف هو بخرج أي: ما أردنا ببناء هذا المسجد إلا الحسنى والتوسعة علينا وعلى من ضعف أو عجز عن المسير إلى مسجد قباء.
قال الزمخشري: ما أردنا ببناء هذا المسجد إلا الخصلة الحسنى ، أو لإرادة الحسنى وهي الصلاة وذكر الله تعالى والتوسع على المصلين انتهى.