هاشم على
حرب قريش كلهم فإذا طلبوا العقل عقلناه واسترحنا ، فقال إبليس الملعون: صدق هذا الفتى هو أجودكم رأياً القول ما قال لا أرى غيره ، فتفرّقوا على قول أبي جهل مجمعين على قتله ، فأتى جبريل عليه الصلاة والسلام النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك وأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه ، وأذن الله تعالى له عند ذلك بالخروج إلى المدينة فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً رضي الله عنه فنام في مضجعه ، وقال له: اتشح ببردتي فإنه لن يخلص إليك أمر تكرهه ، ثم خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخذ قبضة من تراب ، وأخذ الله تعالى أبصارهم عنه ، وجعل ينثر التراب على رؤوسهم ، وهو يقرأ: {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً} إلى قوله تعالى: {فهم لا يبصرون} (يس ،)
ومضى إلى الغار هو وأبو بكر ، وخلف علياً بمكة حتى يؤدي عنه الودائع التي كانت بمكة عنده ، وكانت الودائع تودع عنده لصدقه وأمانته ، وبات المشركون يحرسون علياً على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم يحسبون إنه النبيّ صلى الله عليه وسلم فلما أصبحوا بادروا إليه فرأوا علياً ، فقالوا له: وأين صاحبك؟ فقال: لا أدري ، فاقتصوا أثره وأرسلوا في طلبه ، فلما بلغوا الغار ، رأوا على بابه نسج العنكبوت ، فقالوا: لو دخله لم تكن تنسج العنكبوت على بابه فمكث فيه ثلاثاً ، ثم قدم المدينة وأبطل الله مكرهم ، وهذا معنى قوله تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا} {ليثبتوك} أي: يوثقوك ويحبسوك {أو يقتلوك} كلهم قتلة رجل واحد {أو يخرجوك} من مكة {ويمكرون} بك {ويمكر الله} أي: يردّ مكرهم عليهم بتدبير أمرك بأن أوحي إليك ما دبروه ، وأمرك بالخروج إلى المدينة ، وأخرجهم إلى بدر وقلل المسلمين في أعينهم حتى حملوا عليهم فقتلوا {والله خير الماكرين} أي: أعلمهم به ، فلا ينفذ مكرهم دون مكره.
قال البيضاوي: وإسناد أمثال هذا إنما يحسن للمزاوجة ، ولا يجوز إطلاقها ابتداء لما فيه من إيهام الذم ، اهـ.