وقولهم: {لو نشاء لقلنا مثل هذا} إيهام بأنهم ترفعوا عن معارضته، وأنهم لو شاءوا لنقلوا من أساطير الأولين إلى العربية ما يوازي قصص القرآن وهذه وقاحة، وإلاّ فما منعهم أن يشاءوا معارضة من تحداهم وقرعهم بالعجز بقوله: {فإنْ لم تفعلوا ولنْ تفعلوا} [البقرة: 24] مع تحيزهم وتآمرهم في إيجاد معذرة يعتذرون بها عن القرآن وإعجازه إياهم وتحديه لهم، وما قاله الوليد بن المغيرة في أمر القرآن.
و"الأساطير"جمع أسطورة بضم الهمزة وهي القصة، وتقدم عند قوله تعالى: {حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلاّ أساطير الأولين} في سورة [الأنعام: 25] .
والمخالفة بين شرط {لو} وجوابها إذ جعل شرطها مضارعاً والجزاء ماضياً جرى على الاستعمال في (لو) غالباً، لأنها موضوعة للماضي فلزم أن يكون أحد جزَأيْ جملتها ماضياً، أو كلاهما.
فإذا أريد التفنن خولف بينهما، فالتقدير: لو شئنا لقلنا، ولا يبعد عندي في مثل هذا التركيب أن يكون احتباكاً قائماً مقام شرطين وجزاءين فإحدى الجملتين مستقبلة والأخرى ماضية، فالتقدير لو نشاء أن نقول نقولُ، ولو شئنا القول في الماضي لقلنا فيه، فذلك أوعب للأزمان، ويكون هذا هو الفرق بين قوله: {ولَوْ شئنا لآتينا كل نفسسٍ هداها} [السجدة: 13] وقوله: {أنْ لَو يشاء الله لهدى الناس جميعاً} [الرعد: 31] فهم لما قالوا: {لو نشاء لقلنا مثل هذا} ادعوا القدرة على قول مثله في الماضي وفي المستقبل إغراقاً في النفَاجة والوقاحة. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 9 صـ}