قوله: {تُصِيبَنَّ} الجملة صفة لفتنة، و {لاَّ} نافية، و {تُصِيبَنَّ} فعل مضارع مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وهو واقع في جواب شرط مقدر، قدره المفسر بقوله: (إن أصابتكم) وليس جواباً للأمر، لأن المرتب على تقواها عدم إصابتها أحداً لا خصوصاً ولا عمومياً، وإنما أكد الفعل المضارع المنفي بالنون، إجراء له مجرى النهي، قوله: (بل تعمهم وغيرهم) أي فالظالم لظلمه، وغير الظالم لإقراره وسكوته وعدم نهيه عن المنكر، وفي الحديث ما معناه"مثل الظالم كمثل جماعة في أسفل مركب، ومثل غير الظالم كمثل جماعة في أعلى المركب، فأراد أهل الأسفل أن يخرقوا خرقاً يستقون منه، فإن سلم لهم أهل الأعلى هلكوا جميعاً، وإن قاموا عليهم نجوا جميعاً"قال ابن عباس: إن الله أمر المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم، فيعمهم الله بالعذاب، فيصيب الظالم وغير الظالم، وفي الحديث:"إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه فإذا فعلوا ذلك، عذب الله العامة والخاصة"، وورد"إذا عمت الخطيئة في الأرض، كان من شهدها فأنكر، كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها، كان كمن شهدها"، إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في ذلك، فإذا علمت ذلك، فلا تشكل هذه بقوله تعالى
{وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] ، بما علمت أن الساكت على المنكر، مؤخذ بوزر نفسه لا بوزر المباشر.
{وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}
قوله: {وَاذْكُرُواْ} خطاب للنبي وأصحابه، نزلت بعد غزوة بدر.
قوله: {مُّسْتَضْعَفُونَ} أي مظهرون الضعف لعدم أمركم بالقتال.
قوله: (الغنائم) أي فلما هاجروا وأمروا بالقتال، تركوا التجارة وصار رزقهم من الغنائم، وفي الحديث:"جعل رزقي تحت ظل رمحي"
قوله: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي فتزدادوا من النعم، لأن بالشكر تزداد النعم، قال تعالى:
{لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7] .