أَعْدَلَ وَلَا أَرْحَمَ مِنَ الْعَرَبِ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَتَّقُوا فِتَنَ السِّيَاسَةِ وَالرِّيَاسَةِ لِقِلَّةِ اخْتِبَارِهِمْ فَعُوقِبُوا عَلَيْهَا بِتَفَرُّقِهِمْ فَضَعْفِهِمْ فَزَوَالِ مُلْكِهِمْ، وَكَانَ مَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَعَاجِمِ الْمُسْلِمِينَ دُونَهُمْ لِجَهْلِهِمْ بِكُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ التَّقْوَى الْوَاجِبَةِ، وَحِرْمَانِهِمْ مِنْ فُرْقَانِهَا، فَهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُجَدِّدُونَ مَجْدَهُمْ مَعَ جَهْلِ هَذَا الْفُرْقَانِ الْمُبِينِ، وَعَدَمِ الِاعْتِصَامِ بِالتَّقْوَى الْمُزَكِّيَةِ لِلنَّفْسِ، الْمُؤَهِّلَةِ لَهَا لِلْإِصْلَاحِ فِي الْأَرْضِ، بَلْ مَعَ انْغِمَاسِهِمْ فِي السُّكْرِ وَالْفَوَاحِشِ ; لِظَنِّهِمْ أَنَّ الْإِفْرِنْجَ قَدْ تَرَقَّوْا فِي دُنْيَاهُمْ بِفُسَّاقِهِمْ وَفُجَّارِهِمْ، وَإِنَّمَا تَرَقَّوْا بِحُكَمَائِهِمْ وَأَبْرَارِهِمُ، الَّذِينَ وَقَفُوا حَيَاتَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ النَّافِعِ وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ هَذَا عَطْفٌ عَلَى يَجْعَلْ
لَكُمْ فُرْقَانًا أَيْ: وَيَمْحُو بِسَبَبِ هَذَا الْفُرْقَانِ وَتَأْثِيرِهِ مَا كَانَ مِنْ تَدْنِيسِ سَيِّئَاتِكُمْ لِأَنْفُسِكُمْ، فَتَزُولُ مِنْهَا دَاعِيَةُ الْعَوْدِ إِلَيْهَا الْمُؤَدِّي إِلَى الْإِصْرَارِ الْمُهْلِكِ، وَيَغْفِرُهَا لَكُمْ بِسَتْرِهَا، وَتَرْكِ الْعِقَابِ عَلَيْهَا وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ وَمِنْ أَعْظَمِ فَضْلِهِ أَنْ جَعَلَ هَذَا الْجَزَاءَ الْعَظِيمَ بِقِسْمَيْهِ السَّلْبِيِّ وَالْإِيجَابِيِّ جَزَاءً لِلتَّقْوَى وَأَثَرًا لَهَا. انتهى انتهى. {تفسير المنار حـ 9 صـ 525 - 540}