وَيَجْزِيهِمْ بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى فِتْنَتِهِمْ مِنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ أَوِ الْبَاطِلِ ، وَعَمَلِ الْخَيْرِ أَوِ الشَّرِّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الْفِتْنَةِ مِرَارًا مِنْ وُجُوهٍ . وَفِتْنَةُ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ عَظِيمَةٌ لَا تَخْفَى عَلَى ذِي فَهْمٍ ، إِلَّا أَنَّ الْأَفْهَامَ تَتَفَاوَتُ فِي وُجُوهِهَا وَطُرُقِهَا ، فَأَمْوَالُ الْإِنْسَانِ عَلَيْهَا مَدَارُ مَعِيشَتِهِ ، وَتَحْصِيلُ رَغَائِبِهِ وَشَهَوَاتِهِ ، وَدَفْعُ كَثِيرٍ مِنَ الْمَكَارِهِ عَنْهُ ، فَهُوَ يَتَكَلَّفُ فِي كَسْبِهَا الْمَشَاقَّ ، وَيَرْكَبُ الصِّعَابَ ، وَيُكَلِّفُهُ الشَّرْعُ فِيهَا الْتِزَامَ الْحَلَالِ ، وَاجْتِنَابَ الْحَرَامِ ، وَيُرَغِّبُهُ فِي الْقَصْدِ وَالِاعْتِدَالِ ، ثُمَّ إِنَّهُ يَتَكَلَّفُ الْعَنَاءَ فِي حِفْظِهَا ، وَتَتَنَازَعُهُ الْأَهْوَاءُ الْمُتَنَاوِحَةُ فِي إِنْفَاقِهَا ، فَالشَّرْعُ يَفْرِضُ عَلَيْهِ فِيهَا حُقُوقًا مُقَدَّرَةً وَغَيْرَ مُقَدَّرَةٍ ، وَمُعَيَّنَةً وَغَيْرَ مُعَيَّنَةٍ ، وَمَحْصُورَةً وَغَيْرَ مَحْصُورَةٍ ، كَالزَّكَاةِ وَنَفَقَاتِ الْأَزْوَاجِ وَالْأَوْلَادِ وَغَيْرِهِمْ ، وَكَفَّارَاتِ بَعْضِ الذُّنُوبِ الْمُعَيَّنَةِ ، مِنْ عِتْقٍ وَصَدَقَةٍ وَنُسُكٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَيَنْدُبُ لَهُ نَفَقَاتٍ أُخْرَى لِلْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ تُكَفِّرُ الذُّنُوبَ غَيْرَ الْمُعَيَّنَةِ ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ عَظِيمٌ مِنَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ . وَالضَّابِطُ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْبَذْلِ مِنْ صِفَاتِ النَّفْسِ: السَّمَاحَةُ وَالسَّخَاءُ ، وَهُمَا مِنْ أَرْكَانِ الْفَضَائِلِ ، وَلِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْإِمْسَاكِ: الْبُخْلُ ، وَهُوَ مِنْ أُمَّهَاتِ الرَّذَائِلِ ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا دَرَجَاتٌ وَدَرَكَاتٌ .