مُقْتَضَى السِّيَاقِ أَنَّ وَحْيَ اللهِ لِلْمَلَائِكَةِ قَدْ تَمَّ بِأَمْرِهِ إِيَّاهُمْ بِتَثْبِيتِ الْمُؤْمِنِينَ ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَصْرُ فِي قَوْلِهِ عَنْ إِمْدَادِ الْمَلَائِكَةِ: وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرَى إِلَخْ . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ إِلَخْ . بَدْءُ كَلَامٍ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنُونَ تَتِمَّةً لِلْبُشْرَى ، فَيَكُونُ الْأَمْرُ بِالضَّرْبِ مُوَجَّهًا إِلَى الْمُؤْمِنِينَ قَطْعًا ، وَعَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ الَّذِينَ جَزَمُوا بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمْ تُقَاتِلْ يَوْمَ بَدْرٍ تَبَعًا لِمَا قَبْلَهُ مِنَ الْآيَاتِ ، وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا مِمَّا أُوحِيَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ ، وَتَأَوَّلَهُ هَؤُلَاءِ بِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَهُمْ بِأَنْ يُلْقُوا هَذَا الْمَعْنَى فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْإِلْهَامِ ، كَمَا كَانَ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُهُمْ ، وَيُلْقِي فِي قُلُوبِهِمْ ضِدَّهُ بِالْوَسْوَاسِ . وَلَا يُرَدُّ عَلَى الْأَوَّلِ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِلَّا إِذَا كَانَ الْخِطَابُ قَدْ وُجِّهَ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَ الْقِتَالِ ، وَالسُّورَةُ قَدْ نَزَلَتْ بَعْدَهُ - ; لِأَنَّ نُزُولَ السُّورَةِ بِنَظْمِهَا وَتَرْتِيبِهَا بَعْدَهُ لَا يُنَافِي حُصُولَ مَعَانِيهَا قَبْلَهُ وَفِي أَثْنَائِهِ ، فَإِنَّ الْبِشَارَةَ بِالْإِمْدَادِ بِالْمَلَائِكَةِ وَمَا وَلِيَهُ قَدْ حَصَلَ قَبْلَ الْقِتَالِ ، وَأَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ ، ثُمَّ ذَكَّرَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِهِ بِإِنْزَالِ السُّورَةِ بِرُمَّتِهَا تَذْكِيرًا بِمِنَنِهِ ، وَلَوْلَا هَذَا لَمْ تَكُنْ لِلْبِشَارَةِ تِلْكَ الْفَائِدَةُ ، وَالْخِطَابُ