ومنها: أنه ذكر في الآية الأولى أنهم كفروا بآيات الله وفي الآية الثانية أنهم كذبوا بآيات ربهم، ففي الآية إشارة إلى أنهم كفروا بآيات الله وجحدوها، وفي الثانية إشارة إلى أنهم كذبوا بها مع جحودهم لها، وكفرهم بها.
ومنها: أن تكرير هذه القصة للتأكيد.
(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ...(60)
قال الفخر الرازي عند تفسيره للآية، والمراد بالقوة هنا ما يكون سبباً لحصول القوة، وذكروا فيه وجوها:
الأول: المراد من القوة أنواح الأسلحة.
الثاني: روى أنه - صلى الله عليه وسلم - قرأ هذه الآية على المنبر وقال:"ألا إن القوة الرمي"قالها ثلاثاً.
الثالث: قال بعضهم: القوة هي الحصون.
الرابع: قال أصحاب المعاني: الأولى أن يقال: هذا عام في كل ما يتقوى به على حرب العدو، ولك ما هو آلة للغزو والجهاد فهو من جملة القوة، وقوله - صلى الله عليه وسلم -:"القوة هي الرمي"لا ينفى كون غير الرمي معتبراً. كما أن قوله - صلى الله عليه وسلم -"الحج عرفه""والندم توبة"لا ينفى اعتبار غيره. بل يدل على أن هذا المذكور جزء شريف من المقصود فكذا هنا.
وهذه الآية تدر على أن الاستعداد للجهاد بالنبل، والسلاح، وتعليم الفروسية، والرمي فريضة إلا أنه من فرض الكفايات.
إن رباط الخيل للجهاد في سبيل الله فضله عظيم، وثوابه كبير فقد كانت الخيل هي خير ما عرف العرب من وسائل الانتقال في الحرب وأسرعها، وما زالت الخيل لها قيمتها في بعض أنواع الحروب.
قال القرطبي،
«فإن قيل» : إن قوله {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ} كان يكفي، فلماذا خص الخيل بالذكر؟
قيل له: إن الخيل لما كانت أصل الحرب وأوزارها التي عقد الخير في نواصيها، وهي أقوى القوة، وأشد العدة، وحصون الفرسان، وبها يجال في الميدان، لما كانت كذلك خصها بالذكر تشريفاً، وأقسم بغبارها تكريماً، فقال: {والعاديات ضَبْحاً} وقال الإِمام ابن العربي: وأما رباط الخيل هو فضل عظيم ومنزلة شريفة.
روى الأئمة عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"الخيل ثلاثة، لرجل ستر، ولرجل أجر، وعلى رجل وزر. فأما الذي هي عليه وزر رجل ربطها رياء وفخراً ونواء لأهل الإِسلام - أي: مناوأة ومعاداة - فهي عليه وزر".