وإذا كان كذلك فالمعنى في قوله: {ذَلِكُمْ} إثبات ما ذكر قبله من القتل والرمي، وإبلاء المؤمنين بلاءً حسنًا، وتقدير الإعراب: الأمر ذلكم، والحق ذلكم.
وفي قوله: {مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ} وجوه من القراءة: التشديد مع التنوين، والإضافة، والتخفيف معهما أيضًا، ومثله قوله: {كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ} [الزمر: 38] ، بالتنوين، وبالإضافة أيضًا.
قال أهل المعاني: وتوهينه كيدهم يكون بأشياء: بإطلاع المؤمنين على عوراتهم، وإلقاء الرعب في قلوبهم، وتفريقَ كلمتهم، ونقض ما أبرموا باختلاف عزومهم.
قال ابن عباس: يهنئ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، يقول:"إني قد أوهنت كيد عدوك حتى قُتلت جبابرتهم وأُسر أشرافهم".
19 -قوله تعالى: {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ} الأكثرون على أن هذا خطاب للمشركين، وذلك أن أبا جهل قال يوم بدر: اللهم انصر أفضل الدينين وأحقه بالنصر، وروي أنه قال: اللهم أينا كان أقطع للرحم وأفجر فأحنه الغداة.
وقال السدي: إن المشركين لما أرادوا الخروج إلى بدر أخذوا أستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين، وأهدى الفئتين، وأكرم الحزبين، وأفضل الدينين، فأنزل الله هذه الآية، فمعنى: {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا} إن تستنصروا لأهدى الفئتين فقد جاءكم النصر، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، والحسن ومجاهد والزهري والسدي والضحاك والعوفي.
ومضى الكلام في معنى الاستفتاح عند قوله: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ} ، والاستفتاح على قول هؤلاء: الاستنصار.
وقال عكرمة: قال المشركون: اللهم لا نعرف ما جاء به محمد فافتح بيننا وبينه بالحق؛ فقال الله تعالى: {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ} ان تستقضوا فقد جاءكم القضاء، واختار الفراء القول الأول، وذكر أبو إسحاق القولين جميعًا، وقال: كلا القولين جيد.