قيل لبعضهم: إن الأحول يرى الواحد اثنين - وكان بين يديه ديك واحد - فقال: ما لي لا أرى هذين الديكين أربعة.
وقوله - سبحانه - {لِيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور} ما فعل من تقليل كل فريق في عين الآخر، ليقضى أمرا كان مفعولا، أي: ثابتا في علمه وحكمته، وهو نشوب القتال المفضى إلى انتصار المؤمنين، واندحار الكافرين وإلى الله وحده ترجع الأمور لا إلى إحد سواه، فإن كل شيء عنده بمقدار، ولأن كل شيء في هذا الكون بقضائه وقدره، وما من شيء إلا مصيره ومرده إليه.
قال بعض العلماء: ولا يقال إن قوله تعالى: {لِيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} مكرر مع ما سبق، لأننا نقول: إن المقصود من ذكره أولا - في قوله: إذ أنتم بالعدوة الدنيا. . هو اجتماعهم بلا ميعاد ليحصل استيلاء المؤمنين على الكافرين، على وجه معجزة دالة على صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - والمقصود منه هنا بيان خارق آخر، وهو تقليلهم في أعين المشركين ثم تكثيرهم للحكم المتقدمة.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة حكت لنا جانبا من أحداث غزوة بدر بأسولب تصويرى بديع في استحضار لمشاهدها ومواقفها، وكشفت لنا عن جوانب من مظاهر قدرته الله، ومن تدبيره المحكم الذي كان فوق تدبير البشر، ومن تهيئة الأسباب الظاهرة والخفية التي أدت إلى نصر المؤمنين وخذلان الكافرين.
(ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ(51)
اسم الإِشارة"ذلك"يعود إلى الضرب وعذاب الحريق، وهو مبتدأ، وخبره قوله {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} .
والمراد بالأيدي: الأنفس والذوات، والتعبير بالأيدي عن ذلك من قبيل التعبير بالجزء عن الكل.
وخصت الأيدى بالذكر، للدلالة على التمكن من الفعل وإرادته، وأن أكثر الأفعال يكون عن طريق البطش بالأيدي. ولأن نسبة الفعل إلى اليد تفيد الالتصاق به، والاتصال بذاته.
قال بعض العلماء:
فإن قيل ما سر التعبير بقوله {بِظَلاَّمٍ} بالمبالغة، مع أن نفي نفس الظلم أبلغ من نفي كثرته، ونفي الكثرة لا ينفي أصله، بل ربما يشعر بوجوده، وبرجوع النفي للقيد؟
وأجيب بأجوبة:
منها: أنه نفي لأصل الظلم وكثرته، باعتبار آحاد من ظلم، كأنه قيل ظالم لفلان ولفلان وهلم جرا، فلما جمع هؤلاء عدل إلى {بِظَلاَّمٍ} لذلك، أي: لكثرة الكمية فيه.