قلت: وهذا أيضاً أصلٌ لإعذار الحُكّام إلى المحكوم عليه مرة بعد أخرى.
وكان هذا لُطْفاً بالخلق، ولينفذ القُيَّام عليهم بالحق.
يقال: أعْذَر في الأمر أي بالغ فيه؛ أي أعذر غاية الإعذار الذي لا إعذار بعده.
وأكبر الإعذار إلى بني آدم بعثة الرسل إليهم لتتم حجته عليهم، {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15] .
وقال: {وَجَآءَكُمُ النذير} [فاطر: 37] قيل: هم الرسل.
ابن عباس: هو الشيب.
فإنه يأتي في سنّ الاكتهال، فهو علامة لمفارقة سنّ الصِّبا.
وجعل الستين غاية الإعذار لأن الستين قريب من معترك العبّاد، وهو سنّ الإنابة والخشوع والاستسلام لله، وترقب المنية ولقاء الله؛ ففيه إعذار بعد إعذار.
الأوّل بالنبيّ عليه السلام، والثاني بالشيب؛ وذلك عند كمال الأربعين؛ قال الله تعالى: {وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أوزعني أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ} [الأحقاف: 15] .
فذكر عز وجل أن من بلغ أربعين فقد آن له أن يعلم مقدار نِعم الله عليه وعلى والديه ويشكرها.
قال مالك: أدركت أهل العلم ببلدنا، وهم يطلبون الدنيا ويخالطون الناس حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة؛ فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس.
الثالثة ودلت الآية أيضاً على أن التاريخ يكون بالليالي دون الأيام؛ لقوله تعالى: {ثَلاَثِينَ لَيْلَةً} لأن الليالي أوائل الشهور.
وبها كانت الصحابة رضي الله عنهم تخبر عن الأيام؛ حتى روي عنها أنها كانت تقول: صمنا خمساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والعجم تخالف في ذلك، فتحسب بالأيام لأن معوّلها على الشمس.
ابن العربيّ: وحساب الشمس للمنافع، وحساب القمر للمناسك؛ ولهذا قال:"وَوَاعَدْنَا موسى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً".
فيقال: أرّخت تاريخاً.
وورّخت توريخاً؛ لغتان.