وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَغُلِبُوا هُنَالِكَ ...(119)
أي: عند ذلك غلب السحرة؛ لأنهم قالوا لفرعون في الابتداء: (إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ) ، فذكر هاهنا أنهم غلبوا عند ظهور الحق، لا أنهم صاروا غالبين، وقوله: (فَغُلِبُوا هُنَالِكَ) وليس غلبة القهر والقسر، ولكن غلبة بالحجج والبراهين، أي: غلبوا بالحجج والآيات.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ) .
قال بعض أهل التأويل: رجع السحرة لما غلبوا صاغرين مذللين.
لكن نقول: رجع فرعون وقومه إلى منازلهم مذللين لا السحرة؛ لأن السحرة قد آمنوا فلا يحتمل أن يوصفوا بالرجوع صاغرين مذللين، وقد رجعوا مع الإيمان.
وقوله: (وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ(120)
اختلف فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (وَأُلْقِيَ) ، أي: أمروا بالسجود، فسجدوا.
وقال آخرون: قوله: (وَأُلْقِيَ) ، أي: لسرعة ما سجدوا، كأنهم ألقوا، والآية ترد على المعتزلة؛ لأنهم ينكرون أن يكون لله تعالى في فعل العباد صنع، وهاهنا قد أضيف الفعل إلى غيرهم بقوله: (وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ) دل أن لله في فعل العباد صنعًا. وهو أن خلق فعل السجود منهم.
وقال جعفر بن حرب: يجوز أن يضاف الفعل إلى غير، وإن لم يكن لذلك الغير في ذلك الفعل صنع؛ نحو: ما يقال في السفر: إن هَؤُلَاءِ خلفوا أُولَئِكَ، وهم لم يخلفوا أُولَئِكَ في الحقيقة، ولا صنع لهم في التخليف، ثم أضيف إليهم فعل التخليف، فعلى ذلك هذا.
يقال: إن لهم في ذلك صنعًا، وهو أنهم إذا لم ينتظروهم فقد خلفوهم، فلهم في ذلك صنع، فأضيف إليهم.
أو أن يقال: إنهم لا يملكون تخليف هَؤُلَاءِ فأما اللَّه سبحانه وتعالى فهو قادر أن يلقيهم أي: بما يخلق منهم فعل السجود، فأضيف الفعل إليه لذلك.