فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ مُوسَى قَدْ بَلَّغَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ أُصُولَ الْإِيمَانِ الثَّلَاثَةَ: التَّوْحِيدَ ، وَالرِّسَالَةَ ، وَالْبَعْثَ وَالْجَزَاءَ ، وَفِي كُلِّ سِيَاقٍ مِنْ قِصَّةِ مُوسَى الْمُكَرَّرَةِ فِي عِدَّةِ سُوَرٍ فَوَائِدُ فِي ذَلِكَ وَفِي غَيْرِهِ لَا تُوجَدُ فِي الْأُخْرَى ، وَأَبْسَطُهَا وَأَوْسَعُهَا بَيَانًا هَذِهِ السُّورَةُ (الْأَعْرَافُ) وَطَهَ وَالشُّعَرَاءُ وَالْقَصَصُ ، وَإِنَّمَا التَّكْرَارُ لِجُمْلَةِ الْقِصَّةِ لَا التَّفْصِيلُ لَهَا كَمَا سَيَأْتِي .
ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَيَّدَهُ بِبَيِّنَةٍ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ فِي دَعْوَاهُ وَتَبْلِيغِهِ عَنْهُ ، وَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَا هُوَ مَقْصُودٌ لَهُ بِالذَّاتِ أَوْ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ فَقَالَ حِكَايَةً عَنْهُ: قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَيْ: قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ عَظِيمَةِ الشَّأْنِ ، ظَاهِرَةِ الْحُجَّةِ فِي بَيَانِ الْحَقِّ ، فَتَنْكِيرُ الْبَيِّنَةِ لِلتَّفْخِيمِ ، وَالتَّصْرِيحُ بِكَوْنِ هَذِهِ الْبَيِّنَةِ الْمُعْجِزَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُمْ مَرْبُوبُونَ ، وَأَنَّ فِرْعَوْنَ لَيْسَ رَبًّا وَلَا إِلَهًا ، وَعَلَى أَنَّهَا - أَيِ: الْبَيِّنَةُ - لَيْسَتْ مِنْ كَسْبِ مُوسَى ، وَلَا مِمَّا يَسْتَقِلُّ بِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَبَنَى عَلَى هَذَا قَوْلَهُ: فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَيْ: بِأَنْ تُطْلِقَهُمْ مِنْ أَسْرِكَ ، وَتُعْتِقَهُمْ مِنْ رِقِّ قَهْرِكَ ، لِيَذْهَبُوا مَعِي إِلَى دَارٍ غَيْرِ دِيَارِكَ ، وَيَعْبُدُوا فِيهَا رَبَّهُمْ وَرَبَّكَ ، وَبِمَ أَجَابَ فِرْعَوْنُ ؟
قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ أَيْ: قَالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنْ