إذن ففيه إدخال وإخراج ، وكل آية جاءت بلقطة من اللقطات ؛ فآية أوضحت دخول اليد في الجيب ، وأخرى أوضحت ضم اليد إلى الجناح ، وثالثة أوضحت نزع اليد ، وهذه لقطات متعددة ، تكوّن كلها الصورة الكاملة ؛ لنفهم أن القصص في القرآن غير مكرَّر ، فالتكرير قد يكون في الجملة . لكن كل تكرير له لقطة تأسيسية ، وحين نستعرضه نتبين أركان القصة كاملة . فكل هذه اللقطات تجمَّع لنا القصة . وقلنا قبل ذلك: إن الصراع بين فرعون وموسى لا ينشأ إلا عن عداوة ، وحتى يحتدم الصراع لابد أن تكون العداوة متبادلة ، فلو كان واحد عدوًّا والثاني لا يشعر بالعداوة فلن يكون لديه لدد خصومة ، وقد يتسامح مع خصمه ويأخذ أمر الخلاف هينا ويسامحه وتنفض المسألة . لكن الذي يجعل العداوة تستعر ، ويشتد ويعلو لهيبها أن تكون متبادلة . وتأتي لنا لقطة في القرآن تثبت لنا العداوة من فرعون لموسى ، ولقطة أخرى تثبت العداوة من موسى لفرعون ، فالحق يقول: {يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ...} [طه: 39]
هذه تثبت العداوة من فرعون لموسى: {فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ...} [القصص: 8]
وهذه تثبت لأن موسى عدوٌّ لهم . وكلتا اللقطتين يُكمل بعضها بعضاً لتعطينا الصورة كاملة .
والحق هنا يقول: {وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ} [الأعراف: 108]
ونعرف أن موسى كان أسمر اللون ، لذلك يكون البياض في يده مخالفاً لبقية لون بشرته ، ويده صارت بيضاء بحيث يراها الناس يلفتهم ضوؤها ويجذب أنظارهم ، وهي ليست بيضاء ذلك البياض الذي يأتي في سُمرة نتيجة البرص ، لا ؛ لأن الحق قال في آية أخرى: {تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سواء ...} [طه: 22]