وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَسَوَاءٌ شُدِّدَتْ (أَنْ) أَوْ خُفِّفَتْ فِي الْقِرَاءَةِ، إِذْ كَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ بِأَيِّ ذَلِكَ قَرَأَ الْقَارِئُ وَاحِدًا، وَكَانَتَا قِرَاءَتَيْنِ مَشْهُورَتَيْنِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ (45) }
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: إِنَّ الْمُؤَذِّنَ بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ يَقُولُ: إِنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ.
{وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا} ، يَقُولُ: حَاوَلُوا سَبِيلَ اللَّهِ، وَهُوَ دِينُهُ، أَنْ يُغَيِّرُوهُ وَيُبَدِّلُوهُ عَمَّا جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ مِنِ اسْتِقَامَتِهِ.
{وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ}
يَقُولُ: وَهُمْ لَقِيَامِ السَّاعَةِ وَالْبَعْثِ فِي الْآخِرَةِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ فِيهَا جَاحِدُونَ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِلْمَيْلِ فِي الدِّينِ وَالطَّرِيقِ: (عِوَجٌ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ، وَفِي مَيْلِ الرَّجُلِ عَلَى الشَّيْءِ وَالْعَطْفِ عَلَيْهِ: عَاجَ إِلَيْهِ يَعُوجُ عِيَاجًا وَعَوَجًا وَعِوَجًا، بِالْكَسْرِ مِنَ الْعَيْنِ وَالْفَتْحِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الوافر]
قِفَا نَبْكِي مَنَازِلَ آلِ لَيْلَى ... عَلَى عِوَجٍ إِلَيْهَا وَانْثِنَاءِ
ذَكَرَ الْفَرَّاءُ أَنَّ أَبَا الْجَرَّاحِ أَنْشَدَهُ إِيَّاهُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ مِنْ عِوَجٍ، فَأَمَّا مَا كَانَ خِلْقَةً فِي الْإِنْسَانِ، فَإِنَّهُ يُقَالُ فِيهِ: عَوَجُ سَاقِهِ، بِفَتْحِ الْعَيْنِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) }
يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ} : وَبَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ حِجَابٌ، يَقُولُ: حَاجِزٌ، وَهُوَ السُّورُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُوَرٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} ، وَهُوَ الْأَعْرَافُ الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ فِيهَا: {وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ}