وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ} فَإِنَّ الْأَعْرَافَ جَمْعٌ وَاحِدُهَا عُرْفٌ، وَكُلُّ مُرْتَفِعٍ مِنَ الْأَرْضِ عِنْدَ الْعَرَبِ فَهُوَ عُرْفٌ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَعُرْفِ الدِّيكِ: عُرْفٌ، لِارْتِفَاعِهِ عَلَى مَا سِوَاهُ مِنْ جَسَدِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّمَّاخِ بْنِ ضِرَارٍ:
[البحر الطويل]
وَظَلَّتْ بِأَعْرَافٍ تَعَالَى كَأَنَّهَا ... رِمَاحٌ نَحَاهَا وِجْهَةَ الرِّيحِ رَاكِزُ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: (بِأَعْرَافٍ) : بِنُشُوزٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْآخَرِ:
[البحر الرجز]
كُلُّ كِنَازٍ لَحْمُهُ نِيَافِ ... كَالْعَلَمِ الْمُوفِي عَلَى الْأَعْرَافِ
وَكَانَ السُّدِّيُّ يَقُولُ: «إِنَّمَا سُمِّيَ الْأَعْرَافُ أَعْرَافًا، لِأَنَّ أَصْحَابَهُ يَعْرِفُونَ النَّاسَ»
عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ:"الْأَعْرَافُ: حِجَابٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، سُورٌ لَهُ بَابٌ"
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي صِفَةِ الرِّجَالِ الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ عَلَى الْأَعْرَافِ، وَمَا السَّبَبُ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ صَارُوا هُنَالِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمْ قَوْمٌ مِنْ بَنِي آدَمَ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُمْ وَسَيِّئَاتُهُمْ، فَجُعِلُوا هُنَالِكَ إِلَى أَنْ يَقْضِيَ اللَّهُ فِيهِمْ مَا يَشَاءُ، ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ.