وهكذا تبدأ مهزلتهم أو مأساتهم! ويكشف المشهد عن الأصفياء والأولياء ، وهم متناكرون أعداء ؛ يتهم بعضهم بعضاً ، ويلعن بعضهم بعضاً ، ويطلب له من {ربنا} شر الجزاء.. من {ربنا} الذين كانوا يفترون عليه ويكذبون بآياته ؛ وهم اليوم ينيبون إليه وحده ويتوجهون إليه بالدعاء! فيكون الجواب استجابة للدعاء. ولكن أية استجابة؟!
{قال: لكل ضعف ، ولكن لا تعلمون} .
لكم ولهم جميعاً ما طلبتم من مضاعفة العذاب!
وكأنما شمت المدعو عليهم بالداعين ، حينما سمعوا جواب الدعاء ، فإذا هم يتوجهون إليهم بالشماتة.. كلنا سواء.. في هذا الجزاء:
{وقالت أولاهم لأخراهم: فما كان لكم علينا من فضل. فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون} !
وبهذا ينتهي ذلك المشهد الساخر الأليم ، ليتبعه تقرير وتوكيد لهذا المصير الذي لن يتبدل - وذلك قبل عرض المشهد المقابل للمؤمنين في دار النعيم -:
{إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ، ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ، وكذلك نجزي المجرمين. لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش ، وكذلك نجزي الظالمين} ..
ودونك فقف بتصورك ما تشاء أمام هذا المشهد العجيب.. مشهد الجمل تجاه ثقب الإبرة. فحين يفتح ذلك الثقب الصغير لمرور الجمل الكبير ، فانتظر حينئذ - وحينئذ فقط - أن تفتح أبواب السماء لهؤلاء المكذبين ، فتقبل دعاءهم أو توبتهم - وقد فات الأوان - وأن يدخلوا إلى جنات النعيم! أما الآن ، وإلى أن يلج الجمل في سم الخياط ، فهم هنا في النار ، التي تداركوا فيها جميعاً وتلاحقوا ؛ وتلاوموا فيها وتلاعنوا ، وطلب بعضهم لبعض سوء الجزاء ، ونالوا جميعاً ما طلبه الأولياء للأولياء!
{وكذلك نجزي المجرمين} ..
ثم إليك هيئتهم في النار:
{لهم من جهنم مهادٌ ، ومن فوقهم غواشٍ} ..