وَقَالَ: فَسَّرَتْهُ الْعَرَبُ: أَبَى جُودُهُ الْبُخْلَ، وَجَعَلُوا (لَا) زَائِدَةً حَشْوًا هَهُنَا وَصَلُوا بِهَا الْكَلَامَ. قَالَ: وَزَعَمَ يُونُسُ أَنَّ أَبَا عَمْرٍو كَانَ يَجُرُّ (الْبُخْلَ) ، وَيَجْعَلُ (لَا) مُضَافَةً إِلَيْهِ، أَرَادَ: أَبَى جُودُهُ (لَا) الَّتِي هِيَ لِلْبُخْلِ، وَيَجْعَلُ (لَا) مُضَافَةً، لِأَنَّ (لَا) قَدْ تَكُونُ لِلْجُودِ وَالْبُخْلِ، لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُ: امْنَعِ الْحَقَّ وَلَا تُعْطِ الْمِسْكِينَ، فَقَالَ (لَا) كَانَ هَذَا جُودًا مِنْهُ.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ نَحْوَ الْقَوْلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ الْبَصْرِيِّينَ فِي مَعْنَاهُ وَتَأْوِيلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي دُخُولِ (لَا) فِي قَوْلِهِ: {أَلَّا تَسْجُدَ} ، أَنَّ فِيَ أَوَّلِ الْكَلَامِ جَحْدًا، يَعْنِي بِذَلِكَ قَوْلَهُ: {لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} ، فَإِنَّ الْعَرَبَ رُبَّمَا أَعَادُوا فِي الْكَلَامِ الَّذِي فِيهِ جَحْدُ الْجَحْدِ، كَالِاسْتِيثَاقِ وَالتَّوْكِيدِ لَهُ، قَالَ: وَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ:
مَا إِنْ رَأَيْنَا مِثْلَهُنَّ لِمَعْشَرٍ ... سُودِ الرُّوسِ فَوَالِجٌ وَفُيُولُ
فَأَعَادَ عَلَى الْجَحْدِ الَّذِي هُوَ (مَا) جَحْدًا، وَهُوَ قَوْلُهُ (إِنْ) فَجَمَعَهُمَا لِلتَّوْكِيدِ.
وَقَالَ آخَرُ مِنْهُمْ: لَيْسَتْ (لَا) بِحَشْو فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَلَا صِلَةٍ، وَلَكِنَّ الْمَنْعَ هَهُنَا بِمَعْنَى الْقَوْلِ. إِنَّمَا تَأْوِيلُ الْكَلَامِ: مَنْ قَالَ لَكَ لَا تَسْجُدْ إِذْ أَمَرْتُكَ بِالسُّجُودِ؟ وَلَكِنْ دَخَلَ فِي الْكَلَامِ (أَنْ) إِذْ كَانَ الْمَنْعُ بِمَعْنَى الْقَوْلِ لَا فِي لَفْظِهِ، كَمَا يُفْعَلُ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْكَلَامِ الَّذِي يُضَارِعُ الْقَوْلَ، وَهُوَ لَهُ فِي اللَّفْظِ مُخَالِفٌ كَقَوْلِهِمْ: نَادَيْتُ أَنْ لَا تَقُمْ، وَحَلَفْتُ أَنْ لَا تَجْلِسَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ.
وَقَالَ بَعْضُ مَنْ رَوَى: (أَبَى جُودُهُ لَا الْبُخْلِ) بِمَعْنَى: كَلِمَةِ الْبُخْلِ، لِأَنَّ (لَا) هِيَ كَلِمَةُ الْبُخْلِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: كَلِمَةَ الْبُخْلِ.