فالصّلاة التي يقوم بها فرد عادي قد تعتبر صلاة ممتازة ، ولكنّها تعدّ معصية إِذا صدر مثلها من أولياء الله ، لأن لحظة واحدة من الغفلة في حال العبادة لا تناسب مقامهم ولا تليق بشأنهم. بل نظراً لعلمهم وتقواهم ومنزلتهم القريبة يجب أن يكونوا حال عبادة الله تعالى مستغرقين في صفات الله الجمالية والجلالية ، وغارقين في التوجه إِلى عظمته وحضرته.
وهكذا الحال في سائر أعمالهم ، فإِنّها على غَرار عباداتهم ، يجب أن تقاس بمنازلهم وشؤونهم ، ولهذا إِذا صدر منهم"ترك الأولى"عوتبوا من جانب الله ، والمراد من ترك الأَولى ، هو أن يترك الإِنسان فعل ما هو الأفضل ، ويعمد إِلى عمل جيد أو مُستحبّ أدنى منه في الفضل.
فإنّنا نقرأ في الأحاديث الإِسلامية أن ما أُصيب به يعقوب من محنةِ فراقِ ولده يوسف ، كان لأجل غفلته عن إِطعام فقير صائم وقف على باب بيته عند غروب الشمس يطلب طعاماً ، فغفل يعقوب عن إطعامه ، فعاد ذلك الفقير جائعاً منكسراً خائباً.
فلو أنّ هذا الصنيع صدر من إِنسان عادي من عامّة الناس لما حظي بمثل هذه الأهمية والخطورة ، ولكن يُعدّ صدوره من نبيّ إِلهيٍّ كبير ، ومن قائد أُمّة أمراً مُهمّاً وخطيراً استتبع عقوبةً شديدةً من جانبِ الله تعالى.
إِنّ نهي آدم عن الشجرة الممنوعة لم يكن نهياً تحريمياً ، بل كان ترك أَوْلى ، ولكن نظراً إِلى مكانة آدم ومقامه ومرتبته عُدَّ صدورُه أمراً مهماً وخطيراً ، واستوجب مخالفة هذا النهي (وإِن كان نهياً كراهياً وتنزيهياً) تلك العقوبة والمؤاخذة من جانب الله تعالى.
هذا وقد احتمل بعض المفسّرين - أيضاً - أنّ نهي آدم عن الشجرة الممنوعة كان"نهياً إِرشادياً"لا نهياً مولوياً ، وتوضيح ذلك: أنه قد ينهى الله تعالى عن شيء من منطلق كونه مالك الإِنسان وصاحب أمره ومولاه ، وطاعة هذا النوع من النهي واجبة على كل أحد من الناس ، وهذا النوع من النهي يسمى نهياً مولوياً.