3 -هل ارتكب آدم معصية؟
يستفاد ممّا نقلناه من الكتب المقدَّسة - لدى اليهود والنصارى - أنّهم يعتقدون بأن آدم ارتكب معصية ، بل ترى كتبهم أن معصيته لم تكن معصية عادية ، وإِنما كانت معصية كبيرة وإِثماً عظيماً ، بل إِن الذي صَدَرَ عن آدم هو مضادة الله والطموح في الألوهية والربوبيّة ، ولكن المصادر الإِسلامية - عقلا ونقلا - تقول لنا: إِنّ الأنبياء لايرتكبون إِثماً ، وإِنّ منصب إِمامة الناس وهدايتهم لا يُعطى لمن يرتكب ذنباً ويقترف معصية. ونحن نعلم أن آدم كان من الأنبياء الإِلهيين ، وعلى هذا الأساس فإِنّ كل ما ورد في هذه الآيات مثل غيرها من التعابير التي جاءت في القرآن حول سائر الأنبياء الذين نسب إِليهم العصيان ، جميعها تعني"العصيان النسبي"و"ترك الأَولى"لا العصيان المطلق.
وتوضيح ذلك: أن المعصية على نوعين:"المعصية المطلقة"و"المعصية النسبية"، والمعصية المطلقة هي مخالفة النهي التحريمي ، وتجاهل الأمر الإِلهيّ القطعيّ ، وهي تشمل كلَّ نوع من أنواع ترك الواجب وإِتيان الحرام.
ولكن المعصية النسبية هي أن يصدر من شخصية كبيرة عمل غير حرام لا يناسب شأنه ولا يليق بمقامه ، وربّما يكون إِتيان عمل مباح - بل ومستحب - لا يليق بشأن الشخصيات الكبيرة ، وفي هذه الصورة يُعدّ إِتيان ذلك العمل"معصية"
نسبية"، كما لوساعد مؤمنٌ واسع الثراء فقيراً لإِنقاذه من مخالب الفقر بمبلغ تافه ، فإِنه ليس من شك في أنّ هذه المعونة المالية مهما كانت صغيرة وحقيرة لا تكون فعلا حراماً ، بل هي أمر مستحب ، ولكن كل من يسمع بها يذمُ ذلك الغني حتى كأّنه ارتكب معصية واقترف ذنباً ، وذلك لأنّه يتوقّع من مثل هذا الغني المؤمن أن يقوم بمساعدة أكبر."
وانطلاقاً من هذه القاعدة وعلى هذا الأساس تقاس الأعمال التي تصدر من الشخصيات الكبيرة بمكانتهم وشأنهم الممتاز ، وربّما يطلق على ذلك العمل - مع مقايسته بذلك - لفظ (العصيان"و"الذنب"."