وفي الحقيقة تناول آدم - طبقاً لهذه الرّوايات - من شجرتين ، كانت إِحداهما أقلّ منه مرتبةً وأدنى منه منزلة ، وقد قادته إِلى العالم المادي ، وكانت هي"الحنطة". والأُخرى هي الشجرة المعنوية التي كانت تمثل مقام ثلة من أولياء الله ، والذي كان أعلى وأسمى من مقامه ومرتبته ، وحيث أنه تعدّى حدّه في كلا الصعيدين ابتلي بذلك المصير المؤلم.
ولكن يجب أن نعلم أن هذا الحسد لم يكن من النوع الحرام منه ، بل كان مجرّد إِحساس نفساني من دون أن تتبعه أية خطوة عملية على طبقه.
وحيث إنّ للآيات القرآنية - كما أسلفنا مراراً - معان متعدّدة ، فلا مانع من أن يكون كلا المعنيين مرادين من الآية.
ومن حسن الاتفاق أنّ كلمة"الشجرة"قد استعملت في القرآن الكريم في كلا المعنيين ، فحيناً استعملت في المعنى المادي التعارف للشجرة مثل: (وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن) التي هي إِشارة إِلى شجرة الزيتون ، وتارة استعملت في الشجرة المعنوية مثل (والشجرة الملعونة في القرآن) التي يكون المراد منها إِمّا طائفة من المشركين ، أو اليهود ، أو الأقوام الطاغية الأخرى مثل بني أُمية. (1)
على أنّ المفسّرين أبدوا احتمالات متعددة أُخرى حول الشجرة الممنوعة ، ولكن ما قلناه هو الأبين والأظهر من الجميع.
ولكن النقطة التي يجب أن نذكِّرَ بها هنا ، هي أنه وصفت الشجرة الممنوعة في التّوراة المختلفة - المعترف بها اليوم من قِبَل جميع مسيحيي العالم ويهودييه - بشجرة العلم والمعرفة وشجرة الحياة تقول التّوراة: إِن آدم لم يكن عالماً ولا عارفاً قبل أكله من شجرة العلم والمعرفة ، حتى أنّه لا يعرف ولم يميّز عريه ، وعندما أكل من تلك الشجرة ، وصار إِنساناً بمعنى الكلمة طرد من الجنّة خشية أن يأكل من شجرة الحياة أيضاً فيخلد كما الآلهة.
وهذا من أوضح القرائن الشاهدة على أنّ التّوراة الرائجة ليست كتاباً سماوياً ، بل هي من نسيج العقل البشري القاصر المحدود ، الذي يعتبر العلم والمعرفة عيباً وشيناً للإِنسان ، ويعتبر آدم بسبب ارتكابه معصية تحصيل العلم والمعرفة مستحقاً للطرد من جنة الله ، وكأنّ الجنّة لم تكن مكان العقلاء الفاهمين ومنزل العلماء العارفين!!
(1) هذا تحامل منه على بنى أمية تبعا لتشيعه.