الثالث: تقديم المعمول على العامل ، إيذانا بالاختصاص. أي نصيحتى مختصة بكما ، وفائدتها إليكما لا إلى.
الرابع: إتيانه باسم الفاعل الدال على الثبوت واللزوم ، دون الفعل الدال على التجدد: أي النصح صفتى وسجيتى ، ليس أمرا عارضا لي.
الخامس: إتيانه بلام التأكيد فِي جواب القسم.
السادس: أنه صور نفسه لهما ناصحا من جملة الناصحين ، فكأنه قال لهما: الناصحون لكما فِي ذلك كثير ، وأنا واحد منهم ، كما تقول لمن تأمره بشىء: كل أحد معى على هذا وأنا من جملة من يشير عليك به.
سَعَى نَحْوَهَا حَتَّى تجَاوَزَ حَدَّهُ وَكَثَّرَ فَارْتَابَتْ ، وَلَوْ شَاءَ قَلَّلا
وورّث عدو الله هذا المكر لأوليائه وحزبه عند خداعهم للمؤمنين كما كان المنافقون يقولون لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا جاءوه: {نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ} [المنافقون: 1] . فأكدوا خبرهم بالشهادة وبإن وبلام التأكيد ، وكذلك قوله سبحانه: {وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ} [التوبة: 56] .
ثم قال تعالى: {فَدَلاهُمَا بِغُرُورٍ} [الأعراف: 22] .
قال أبو عبيدة:"خذلهما وخلاهما ، من تدلية الدلو ، وهو إرسالها فِي البئر".
وذكر الأزهرى لهذه اللفظة أصلين: أحدهما قال:"أصله الرجل العطشان يتدلى فِي البئر ليروى من الماء فلا يجد فيها ماء فيكون قد تدلى فيها بالغرور. فوضعت التدلية موضع الإطماع فيما لا يجدى نفعا ، فيقال: دلاه ، إذا أطمعه"، ومنه قول أبى جندب الهذلى:
أَحُصُّ ، فَلاَ أُجِيرُ وَمَنْ أُجِرْهُ فَلَيْسَ كَمَنْ تَدَلَّى بِالْغُرُورِ
أحص: أي أقطع.
الثاني:"فدلاهما بغرور ، أي جرأهما على أكل الشجرة ، وأصله: دللهما من الدلال والدالة وهي الجراءة"، قال شمر:"يقال: ما دَلَّكَ على أي ما جرأك على"، وأنشد لقيس بن زهير:
أَظنُّ الْحِلْمَ دَلَّ عَلَيَّ قَوْمِى وَقَدْ يُسْتَجْهَلُ الرَّجُلُ الْحَلِيمُ