وإذا صح أن لا صدقة فيما يؤكل من الرطب والعنب والثمار بهذه الأخبار، وأن الصدقة إنما تجب فيما يلحقه الحصاد يابسا يمكن ادخاره - فالواجب ألا يكون في شيء من الخضر التي تؤكل رطبة صدقة، وألا تكون الصدقة واجبة إلا فيما يبس منها، ويمكن أن يدخر.
فأما البقول والرطاب والبطيخ والقثاء والخيار والتفاح وأشباهها: فلا صدقة فيها، هذا كله يدل لأبي يوسف ومُحَمَّد - رحمهما اللَّه - إلا أنا لا نعلم مخالفا أن فيما يباع من الرطب صدقة، وإن كان يؤكل كهيئته، فهذا يفسد ما احتججنا به لأبي يوسف ومُحَمَّد ومن وافقهما، وتأويل ما روي"أن لا صدقة في الخضراوات"،"وليس في أقل من خمسة أوسق صدقة تؤخذ"، وإنما عليه في نفسه أن يؤديها، واللَّه أعلم.
وجائز أن يكون قوله: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) : على أُولَئِكَ خاصة في ذلك الوقت، أو يقول: وآتوا حقه ولا تصرفوا إلى الأصنام التي تصرفون إليها، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ...(142)
هو صلة قوله: (أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ) إلى آخر ما ذكر، وأنشأ - أيضًا - من الأنعام حمولة وفرشًا.
ثم اختلف فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: الحمولة: ما يحمل عليها أنشأها للحمل، والفرش: الصغار منها التي لا تحمل.
وقيل: الحمولة: من نحو الإبل والبقر والبغال وغيرها من الحيوان، والفرش: هو الغنم والمعز التي تؤكل وأنشأها للحم.
ويحتمل الفرش: ما يؤخذ من الأنعام، ويتخذ منه الفرش والبسط.
وقال الحسن: الحمولة: ما يحمل عليها وهو خالص، والفرش: كل شيء من أنواع المال من الحيوان وغيره؛ يقال: أفرشه اللَّه له، أي: جعله له.
قال ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الحمولة: الإبل والخيل والبغال والحمير، وكل شيء يحمل عليه، وأما الفرش فالغنم.