فإن كان هذا هو التأويل، فهو - واللَّه أعلم - معنى ما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ولو لم يكن قوله - تعالى -: (كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ) عفوا عن صدقة ما يؤكل منه ما كان في ذلك فائدة؛ لأن الثمرة تؤكل ولا تصلح لغير ذلك إلا للوجه الذي ذكرنا، وهو أنهم كانوا يحرمونها ولا ينتفعون بها؛ فقال - عَزَّ وَجَلَّ -: كلوا وانتفعوا به، ولا تضيعوه.
وإذا كان قوله: (كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ) عفوا عن صدقة ما يؤكل منه، ظهرت فائدة الكلام، وهو على هذا التأويل - واللَّه أعلم - ما روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال:"إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فالربع".
وعن أبي سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال:"ليس في العرايا صدقة".
وعن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه كان يبعث أبا خيثمة خارصا للنخل، ويقول له:"إذا وجدت أهل بيت في حائطهم، فلا تخرص بقدر ما يأكلون".
وعن مكحول قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -:"خفضوا على الناس في الخرص؛ فإن في المال العرية والوصية".
فدلت هذه الأحاديث على أنه لا صدقة فيما يؤكل من الثمر رطبًا إذا لم يكن فيما يأكلون إسراف.
وقدر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لذلك الثلث أو الربع، وذلك - واللَّه أعلم - يشبه ما دلت عليه الآية على تأويل من جعل الحق زكاة؛ لأن اللَّه - تعالى - قال: (وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) ؛ فاحتمل أن يكون - أيضًا - معنى ذلك: ولا تسرفوا في الأكل؛ فيجحف ذلك بأهل الصدقة، ويحتمل أن يكون ذلك نهيًا عن الإسراف في جميع الأشياء، على ما ذكرنا من قبل.