وما روي عن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه، قال:"فيما أخرجت الأرض - قليله وكثيره - العشر".
وخبر معاذ، قال: بعثني رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إلى اليمن، فأمرني أن آخذ من كل حالم دينارا، أو عدله معافريًّا، وأمرني أن آخذ من كل أربعين مسنة، ومن كل ثلاثين تبيعًا، ومن كل ما سقت السماء العشر، وما سقي بالديالي نصف العشر.
إلى هذا كله يذهب أبو حنيفة - رحمه اللَّه - ويوجب الصدقة في قليل الخارج من الأرض وكثيره.
ثم اختلف أهل التأويل في تأويل الحق الذي ذكره اللَّه في قوله: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) :
قال قوم هي صدقة سوى الزكاة؛ واحتجوا بأن الآية مكية، وأن الزكاة فرضت بالمدينة، وهي منسوخة بآية الزكاة.
وقال قوم: هي الزكاة، فإن نسخ إنما نسخ قدرها، لم ينسخ الحق رأسًا؛ لأنهم كانوا يتصدقون بالكل، فما نسخ إنما نسخ بآية الزكاة قدرها.
ألا ترى أنه قال في آية أخرى: (وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) .
والإسراف في اللغة هو المجاوزة عن الحد الذي حد له كقوله: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) .
وقيل في قوله: (وَلَا تُسْرِفُوا) ، أي: لا تمنعوا الكل ولكن كلوا بعضه، وآتوا حقه من بعضه.
وقيل: الإسراف - هاهنا - هو الشرك؛ كأنه قال: ولا تشركوا آلهتكم فيما رزقكم اللَّه من الحرث والأنعام؛ فتحرموه ولا تنتفعوا به، والإسراف هو الذي لا ينتفع به أحد، وما كانوا جعلوا لشركائهم لا ينتفعون به هم ولا انتفع به أحد؛ يكون مقابل قوله: (هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ...) الآية.