فهذه هي ثمانية أزواج عدا، وقد سلك القرآن في احتجاجه عليهم مسلك الجمع والإفراد، فبين أن التحريم في الرزق يكون لخبث في ذاته اقتضى تحريمه، وأن التحريم يكون من الله تعالى مانح الأرزاق والوجود، وقد ادعوا تحريمهم لما حرموا بوسوسة الشيطان أنه من الله تعالى، متتبعا تحريمهم، فقال تعالى: (آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ) أي كل زوج من المحرمات حرم الذكرين منها كالكبش والجدي فتحرم الذكور كلها، ولكنكم لم تحرموها كلها، بل خصصتم بعضها (أَمِ الأُنثَيَيْنِ) منها فحرم النعجة والمعزة، وكان يجب أن تحرم كل الإناث، ولكنكم حرمتم بعضها، وتركتم الآخر، وعلى ذلك لَا يكون التحريم بسبب في ذاتها أو ما اشتملت أرحام الأنثيين أي المواليد ذكورا وإناثا فيحرم الجميع، ولكن خصصتم فلا يكون سببه التحريم لذاتها، ولا بسبب من النقل، فبينوا ما اعتمدتم عليه من العلم إن كنتم صادقين، ولذا قال تعالى:
(نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كنتمْ صَادِقِينَ) .
وإنه بعد البيان الصادق الذي ذكر أولا، يكون قوله تعالى: (نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ) من قبيل التهكم بهم؛ إذ لَا دليل عندهم، وطلبه بعد بطلان وجوده تهكم به أو تعجيز لهم، والعجز عن إقامة الدليل في وقت الاحتجاج تسليم بالمدعى بحكم المنطق المستقيم والتفكير القويم.
وقوله تعالى: (إِن كنتُمْ صَادِقِينَ) التعليق بـ (إنْ) فيه إشارة إلى أنهم لا صدق عندهم وأنهم يفترون على الله تعالى فيما يدعون، وقوله تعالى: (نَبِّئونِي) النبأ الخبر العظيم، وهذا عظيم في زعمهم.
(وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ ...(144)