وقد قرر العلماء أنه لا تناقض يثبت بين القضيتين إذا اختلف زمنهما لاحتمال صدق كل منهما في وقتها ، وقد اشترط عامة النظار في التناقض: اتحاد الزمان ، لأنه إن اختلف جاز صدق كل منهما في وقتها ، كما لو قلت: لم يستقبل بيت المقدس قد استقبل بيت المقدس ، وعنيت بالأولى ما بعد النسخ ، وبالثانية ما قبله ، فكلتاهما تكون صادقة ، وقد أشرت في أرجوزتي في فن المنطق إلى أنه يشترط في تناقض القضيتين اتحادهما فيما سوى الكيف. أعني الإيجاب والسلب ، من زمان ومكان ، وشرط وإضافة ، وقوة وفعل ، وتحصيل وعدول ، وموضوع ومحمول ، وجزء وكل ، بقولي:
والاتحاد لازم بينهما... فيما سوى الكيف كشرط علما
والجزء والكل مع المكان... والفعل والقوة والزمان
إضافة تحصيل أو عدول... ووحدة الموضوع والمحمول
فوقت نزول الآيات المذكورة لم يكن حراماً غير الأربعة المذكورة ، فحصرها صادق قبل تحريم غيرها بلا شك ، فإذا طرأ تحريم شيء آخر بأمر جديد. فذلك لا ينافي الحصر الأول لتجدده بعده ، وهذا هو التحقيق إن شاء الله تعالى ، وبه يتضح أن الحق جواز نسخ المتواتر بالسنة الصحيحة الثابت تأخرها عنه ، وإن منعه أكثر أهل الأصول.
وإذا عرفت ذلك: فسنفصل لك إن شاء الله تعالى المحرمات التي حرمت بعد هذا ، وأقوال العلماء فيها.
فمن ذلك كل ذي ناب من السباع ، فالتحقيق تحريمه لما قدمنا من حديث أبي هريرة ، وأبي ثعلبة الخشني من النهي عنها ، وتحريمها ، أما حديث أبي ثعلبة ، فمتفق عليه ، وأما حديث أبي هريرة ، فقد أخرجه مسلم في صحيحه عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم: بلفظ"كل ذي ناب من السباع ، فأكله حرام".
والأحاديث في الباب كثيرة ، وبه تعلم أن التحقيق هو تحريم أكل كل ذي ناب من السباع.