ثُمَّ لَمَّا كَانَ حُصُولُ النَّمَاءِ وَالرِّبْحِ بِالتِّجَارَةِ مِنْ أَشَقِّ الْأَشْيَاءِ وَأَكْثَرَ مُعَانَاةً وَعَمَلًا خَفَّفَهَا بِأَنْ جَعَلَ فِيهَا رُبُعَ الْعُشْرِ، وَلَمَّا كَانَ الرِّبْحُ وَالنَّمَاءُ بِالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ الَّتِي تُسْقَى بِالْكُلْفَةِ أَقَلَّ كُلْفَةً وَالْعَمَلُ أَيْسَرَ وَلَا يَكُونُ فِي كُلِّ السَّنَةِ جَعَلَهُ ضِعْفَهُ وَهُوَ نِصْفُ الْعُشْرِ، وَلَمَّا كَانَ التَّعَبُ وَالْعَمَلُ فِيمَا يَشْرَبُ بِنَفْسِهِ أَقَلَّ وَالْمَئُونَةُ أَيْسَرَ جَعَلَهُ ضِعْفَ ذَلِكَ وَهُوَ الْعُشْرُ، وَاكْتَفَى فِيهِ بِزَكَاةٍ عَامَّةٍ خَاصَّةٍ؛ فَلَوْ أَقَامَ عِنْدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عِدَّةَ أَحْوَالٍ لِغَيْرِ التِّجَارَةِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ زَكَاةٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ انْقَطَعَ نَمَاؤُهُ وَزِيَادَتُهُ، بِخِلَافِ الْمَاشِيَةِ، وَبِخِلَافِ مَا لَوْ أُعِدَّ لِلتِّجَارَةِ؛ فَإِنَّهُ عُرْضَةٌ لِلنَّمَاءِ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ الرِّكَازُ مَالًا مَجْمُوعًا مُحَصَّلًا وَكُلْفَةُ تَحْصِيلِهِ أَقَلُّ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى أَكْثَرِ مِنْ اسْتِخْرَاجِهِ كَانَ الْوَاجِبُ فِيهِ ضِعْفَ ذَلِكَ وَهُوَ الْخُمُسُ.
فَانْظُرْ إلَى تَنَاسُبِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْكَامِلَةِ الَّتِي بَهَرَ الْعُقُولَ حُسْنُهَا وَكَمَالُهَا، وَشَهِدَتْ الْفِطَرُ بِحِكْمَتِهَا، وَأَنَّهُ لَمْ يُطْرَقْ الْعَالَمُ شَرِيعَةً أَفْضَلَ مِنْهَا.
وَلَوْ اجْتَمَعَتْ عُقُولُ الْعُقَلَاءِ وَفِطَرُ الْأَلِبَّاءِ وَاقْتَرَحَتْ شَيْئًا يَكُونُ أَحْسَنَ مُقْتَرَحٍ لَمْ يَصِلْ اقْتِرَاحُهَا إلَى مَا جَاءَتْ بِهِ.