وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ كُلُّ مَالٍ يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ قَدَّرَ الشَّارِعُ لِمَا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ نُصُبًا مُقَدَّرَةً لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي أَقَلَّ مِنْهَا، ثُمَّ لَمَّا كَانَتْ تِلْكَ النُّصُبُ تَنْقَسِمُ إلَى مَا لَا يُجْحِفُ الْمُوَاسَاةَ بِبَعْضِهِ أَوْجَبَ الزَّكَاةَ مِنْهَا، وَإِلَى مَا يُجْحِفُ الْمُوَاسَاةَ بِبَعْضِهِ فَجَعَلَ الْوَاجِبَ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا دُونَ الْخَمْسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ، ثُمَّ لَمَّا كَانَتْ الْمُوَاسَاةُ لَا تُحْتَمَلُ كُلَّ يَوْمٍ وَلَا كُلَّ شَهْرٍ، إذْ فِيهِ إجْحَافٌ بِأَرْبَابِ الْأَمْوَالِ جَعَلَهَا كُلَّ عَامٍ مَرَّةً كَمَا جَعَلَ الصِّيَامَ كَذَلِكَ، وَلَمَّا كَانَتْ الصَّلَاةُ لَا يَشُقُّ فِعْلُهَا كُلَّ يَوْمٍ وَظَّفَهَا كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَلَمَّا كَانَ الْحَجُّ يَشُقُّ تَكَرُّرُ وُجُوبِهِ كُلَّ عَامٍ جَعَلَهُ وَظِيفَةَ الْعُمْرِ.
وَإِذَا تَأَمَّلَ الْعَاقِلُ مِقْدَارَ مَا أَوْجَبَهُ الشَّارِعُ فِي الزَّكَاةِ وَجَدَهُ مِمَّا لَا يَضُرُّ الْمُخْرِجَ فَقْدُهُ، وَيَنْفَعُ الْفَقِيرَ أَخْذُهُ، وَرَآهُ قَدْ رَاعَى فِي حَالِ صَاحِبِ الْمَالِ وَجَانِبِهِ حَقَّ الرِّعَايَةِ، وَنَفَعَ الْآخِذَ بِهِ، وَقَصَدَ إلَى كُلِّ جِنْسٍ مِنْ أَجْنَاسِ الْأَمْوَالِ فَأَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي أَعْلَاهُ وَأَشْرَفِهِ؛ فَأَوْجَبَ زَكَاةَ الْعَيْنِ فِي الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ دُونَ الْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ وَالنُّحَاسِ وَنَحْوِهَا، وَأَوْجَبَ زَكَاةَ السَّائِمَةِ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ دُونَ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ دُونَ مَا يَقِلُّ اقْتِنَاؤُهُ كَالصَّيُودِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا وَدُونَ الطَّيْرِ كُلِّهِ، وَأَوْجَبَ زَكَاةَ الْخَارِجِ مِنْ الْأَرْضِ فِي أَشْرَفَهُ وَهُوَ الْحُبُوبُ وَالثِّمَارُ دُونَ الْبُقُولِ وَالْفَوَاكِهِ وَالْمَقَاثِي وَالْمَبَاطِخِ وَالْأَنْوَارِ.